تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انوار الأصول — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦

أمّا الطائفة الثالثة : التي تدلّ على انحصار الحجّة الشرعيّة بالنقل

فمنها : ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : « من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال ، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنّة زالت الجبال ولم يزل » « 1 » . ومنها : ما روي عن حريز : « أنّ أبا حنيفة قال له : أنت لا تقول شيئاً إلّا برواية قال : أجل » فهو يدلّ على أنّ مثل حريز الذي كان من كبار أصحاب الصادق عليه السلام وخواصّهم لا يقول شيئاً إلّا برواية ولا حجّة عنده إلّا الرّواية « 2 » . والجواب عنها أيضاً هو الجواب عن الطائفتين السابقتين ، فلا بدّ من ملاحظة خصوصيّات تلك الأعصار حتّى يثبت لنا أنّ مراد أبي حنيفة في قوله « أنت لا تقول شيئاً إلّا برواية » عدم اعتناء حريز بالقياس والاستحسان ، حيث إنّه لا ريب في أنّ الحريز أيضاً كان يعمل بحكم العقل في تقديم الأهمّ على المهمّ مثلًا والتمسّك بالكذب لنجاة مؤمن لو ابتلى به ، وإن لم يصدر فيه من جانب الإمام عليه السلام رواية ، كما أنّ المراد من أخذ الدين من أفواه الرجال أيضاً ليس إلّا أخذه من القياسات الظنّية والاستحسانات غير القطعيّة . أضف إلى ذلك ما رواه ابن أبي ليلى عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال لأبي حنيفة : « فدع الرأي والقياس وما قال قوم في دين اللَّه ليس له برهان » « 3 » فإنّها تشهد على أنّ مقصود هذه الطائفة من الأخذ بالرواية هو الاجتناب عن الآراء الظنّية ، حيث إنّها تعبّر عن الرأي القياس ب « ما ليس له برهان » . هذا كلّه في الوجوه التي استدلّ بها الأخباريون لمرامهم . ثمّ إنّ المحقّق النائيني رحمه الله أضاف إليها وجهاً رابعاً ، وحاصله : أنّا نحتمل كون حجّية دليل العقل من جانب الشارع مشروطاً بوساطة من جانب الأئمّة المعصومين صلوات اللَّه عليهم ، وبعبارة أخرى : أنّ دليل العقل يدلّ على الحكم الشأني لا الفعلي ويصل إلى مرحلة الفعليّة إذا ايّد بالكتاب أو السنّة ، ومجرّد وجود هذا الاحتمال يوجب بطلان الاستدلال بالأدلّة العقليّة . وأجاب عنه بالقول : « أنّ العقل بعد ما أدرك المصلحة الملزمة في شيء كالكذب المنجي
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ح 22 ، الباب 10 ، من أبواب صفات القاضي . ( 2 ) المصدر السابق : ح 32 ، الباب 11 . ( 3 ) المصدر السابق : ح 33 ، الباب 10 .