وأمّا رابعا : فبأنّ الاستدلال مبنيّ على إطلاق الآية وشمولها لغير ما إذا حصل العلم أو الاطمئنان من إنذار المنذرين ، وهو ممنوع ؛ فإنّ الآية في مقام الحثّ على إيجاد ما هو مناط عمل الناس ، وما هو السبب الباعث المحرّك لهم نحو العمل ، لا في مقام نصب الحجّة وجعل الباعث والمحرّك ، ويشهد له اعتبار أن يكون النافرون طائفة من كلّ فرقة ؛ فإنّ الطائفة إن لم يفد قولهم القطع فلا أقلّ من إفادته الاطمئنان الذي عليه مدار عمل العقلاء .
وهذا الذي ذكرناه جار في أغلب ما استدلّ به من الآيات أو كلّها .
وربما يجاب بالنقض بحسن الاحتياط والتحذّر عن المفاسد المحتملة في الفعل في الشبهات البدويّة مع عدم وجوبه .
ويردّه : أنّا نمنع وجود مفسدة بعد ترخيص الشارع في ارتكابها ، وإلّا كان الشارع هو الباعث في الوقوع في المفسدة ، وهو قبيح .
الثاني : أنّ التفقّه والإنذار والحذر غاية طوليّة مترتّبة على النفر ، والنفر واجب بمقتضى كلمة « لولا » التحضيضيّة ، فتجب الغايات ؛ لأنّ غاية الواجب واجبة . فإذا وجب التحذّر ثبت المدّعى ؛ إذ ليس التحذّر إلّا الأخذ بقول المنذرين والعمل على طبق ما انذروا به من الوجوب والحرمة .
نعم ، تختصّ الآية بخصوص الإخبار عن الأحكام الإلزاميّة ، وتعمّم النتيجة إلى غيره بعدم القول بالفصل .
وفيه : مضافا إلى الجوابين الأخيرين عن الاستدلال السابق أنّا نمنع أوّلا : أنّ غاية الواجب واجب ، وإنّما تجب إذا كان فعلا اختياريّا للمكلّف ، أمّا إذا لم يكن فعلا اختياريّا بل كان من قبيل الخواصّ ، أو كان فعلا اختياريّا للغير - كما في مورد الآية - فلا نسلّم وجوبها .
نعم ، المتيقّن أنّها محبوبة ، فتحتاج في الاستدلال إلى ضمّ المقدّمة المتقدّمة في التقريب السابق .
وثانيا : أنّ الغاية هي رجاء التحذّر واحتماله لا نفس التحذّر ، فتكون أوامر النفر والتفقّه والإنذار أوامر احتياطيّة غايتها احتمال التحذّر ، وهذا لا يكشف عن وجوب التحذّر .
نعم ، يكشف عن حسنه فيحتاج في الاستدلال إلى ضمّ المقدّمة السابقة .
الثالث : أنّه لو وجبت المقدّمات ولم تجب الغاية - وهو التحذّر - لغي إيجاب المقدّمات .
الأصول في علم الأصول — صفحة 269
مساهمون: ميرزا علي الإيرواني النجفي
ص٢٦٩