تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
العلّة . قلت : قد دلّ الدليل الخارجي على حرمته ، ولولاه لما قلنا بحرمته . وإنّما حرّم الشارع القليل منه ، لأنّ الإنسان إذا شرب القليل فسوف تدعوه نفسه إلى شرب أكثر وربّما ينتهي الأمر إلى شرب ما يُسكر . ب . إذا لم يكن الحكم دائراً مدار ما يتوهم أنّه علّة ، بل كان أوسع منها ، فهي حكمة الحكم ، وهذا كما في المثال التالي : إنّه سبحانه تبارك وتعالى فرض على المطلّقة تربص ثلاثة قروء بُغية استعلامِ حالها من حيث الحمل وعدمه ، وأضاف سبحانه بأنّها لو كانت حاملًا فعدتها وضع حملها . قال تعالى : (
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
) . « 1 » وقال في آية أُخرى : (
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
) . « 2 » ولكن ليس استعلام حال المطلقة ملاكاً للحكم وعلّة لوجوب الاعتداد ، وإنّما هو من حِكَمِ الحُكْم الّتي تلازمه في أكثر موارده . ولذلك لو علم حال المطلقة وخلوّ رحمها عن الحمل بسبب غيبة زوجها عنها مدّة سنة ، أو انكشفت حالها بواسطة الطرق العلمية المفيدة لليقين ، فمع ذلك كلّه يجب عليها الاعتداد ، وليس لها ترك الاعتداد بحجة أنّ رحمها خال عن الحمل فلا فائدة في الاعتداد . كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاستعلام يمثّل حكمة الحكم لا علّته ، فليس الحكم دائراً مداره .
هامش
( 1 ) ( البقرة : 228 . ) ( 2 ) الطلاق : 4 .
أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه — صفحة 96 | الشيخ جعفر السبحاني