تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
أقول : أمّا الأوّل : أعني : تشريع بيع السلم ، فلم يكن منهياً عنه حتّى يرخّص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيه ، وذلك لأنّ المنهي عنه هو قوله : » ولا بيع ما ليس عندك « « 1 » ، وهو ناظر إلى بيع العين الشخصية الّتي ليست في ملك البائع وإنّما يبيعها فضوليّاً ليشتريها من غيره ثمّ يدفعها إليه ، وأين هذا من بيع السلم ؟ ! فإنّ السلم عبارة عن ابتياع مال مضمون في ذمّة البائع إلى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه ، والمبيع كلّي في ذمّته لا عين شخصيّة . ولذلك اشترط الفقهاء فيه أُموراً منها ذكر الجنس والوصف ، لأنّه يختلف لأجلهما الثمن ، بخلاف العين الشخصية فإنّها محسوسة مشاهدة . يقول ابن عباس : اشهد انّ السلف المضمون إلى أجل مسمّى قد أحلّه اللّه في كتابه وأذن فيه ، ثمّ قرأ قوله سبحانه : (
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
) « 2 » . « 3 » وبذلك يعلم أنّ عقد الاستصناع هو عقد مقابل مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً لا صلة له بالنهي عن بيع ما ليس عندك . وقد صرّح بما ذكرنا بعض فقهاء السنّة منهم : ابن تيمية حيث قال : وأمّا قولهم » السلم على خلاف القياس « فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال : » لا تبع ما ليس عندك « وأرخص في السلم . وهذا لم يرو في الحديث ، وإنّما هو من كلام بعض الفقهاء ، وذلك أنّهم قالوا : السلم بيع الإنسان ما ليس عنده ، فيكون مخالفاً للقياس .
هامش
( 1 ) ( بلوغ المرام : 162 برقم 820 . قال : ورواه الخمسة ، وروي أيضاً : » ولا تبع « . ) ( 2 ) ( البقرة : 282 . ) ( 3 ) مستدرك الحاكم : 286 / 2 .