إذ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه ، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة ، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة على العقل إلّا في موارد جزئية كالإسكار في الخمر ، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر ، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات ؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً .
قال ابن حزم : وإن كانت العلّة غير منصوص عليها ، فمن أيّ طريق تعرف ولم يوجد من الشارع نصّ يبين طريق تعرفها ؟ وترك هذا من غير دليل يعرف العلّة ينتهي إلى أحد أمرين : إمّا أنّ القياس ليس أصلًا معتبراً ، وإمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر ولكن أصل لا بيان له وذلك يؤدي إلى التلبيس ، وتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، فلم يبق إلّا نفي القياس .
ثانياً : لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل ، ولكن من أين يعلم أنّها تمام العلّة ، ولعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل القائس إليه ؟
ثالثاً : احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئاً أجنبياً إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه .
رابعاً : احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم وقد غفل عنها القائس ، ويعلم ذلك بالتدبّر في الأمثلة التالية :
1 . قياس الولاية في النكاح بالميراث
يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث المقيس عليه .
فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح المقيس .