والمعاملات موضوعة للأعم فلا يمكن فيها نفي الحقيقة . وأما إذا قلنا بالوضع للصحيح فلا يتعذر نفي الحقيقة ، بل هو المتعين على الأكثر ، فلا إجمال .
وأما في غير الألفاظ الشرعية مثل قولهم ( لا علم إلا بعمل ) فمع عدم القرينة يكون اللفظ مجملا إذ يتعذر نفي الحقيقة .
أقول : والصحيح في توجيه البحث أن يقال : إن ( لا ) في هذه المركبات لنفي الجنس ، فهي تحتاج إلى اسم وخبر على حسب ما تقتضيه القواعد النحوية . ولكن الخبر محذوف حتى في مثل « لا غيبة لفاسق » فإن ( لفاسق ) ظرف مستقر متعلق بالخبر المحذوف .
وهذا الخبر المحذوف لا بد له من قرينة ، سواء كان كلمة موجود أو صحيح أو مفيد أو كامل أو نافع أو نحوها . وليس هو مجازا في واحد من هذه الأمور التي يصح تقديرها .
والقصد أنه سواء كان المراد نفي الحقيقة أو نفي الصحة ونحوها فإنه لا بد من تقدير خبر محذوف بقرينة . وإنما يكون مجملا إذا تجرد عن القرينة . ولكن الظاهر أن القرينة حاصلة على الأكثر وهي القرينة العامة في مثله ، فإن الظاهر من نفي الجنس أن المحذوف فيه هو لفظ موجود وما بمعناه من نحو لفظ ثابت ومتحقق .
فإذا تعذر تقدير هذا اللفظ العام لأي سبب كان ، فإن هناك قرينة موجودة غالبا وهي مناسبة الحكم والموضوع ، فإنها تقتضي غالبا تقدير لفظ خاص مناسب مثل « لا علم إلا بعمل » فإن المفهوم منه أنه لا علم نافع . والمفهوم من نحو « لا غيبة لفاسق » لا غيبة محرمة . والمفهوم من نحو « لا رضاع بعد فطام » لا رضاع سائغ . ومن نحو « لا جماعة في نافلة » لا جماعة مشروعة . ومن نحو « لا إقرار لمن أقر بنفسه على الزنا » لا إقرار نافذ أو معتبر . ومن نحو « لا صلاة إلا بطهور » بناء على الوضع للأعم لا صلاة صحيحة . ومن نحو « لا صلاة لحاقن » لا صلاة كاملة بناء على قيام الدليل أن الحاقن لا تفسد صلاته . . . وهكذا .
وهذه القرينة وهي قرينة مناسبة الحكم للموضوع لا تقع تحت
المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 510
مساهمون: الشيخ محمود قانصوه الشهابي العاملي
ص٥١٠