وإنما قدمنا البحث عن مفاد العقل والإجماع في المسألة لاختصاره ، ولأن عمدة ما يستدل به على البراءة أخذا من الكتاب والسنة راجعة إلى استقلال العقل ، وأن الإجماع مستندي إذ المسلمون - عالما وسوقيا - دأبهم في اتفاقهم المذكور على وفق ما جاء من الشارع بلسان الوحي .
أصل البراءة في الكتاب الكريم : استدل عليها بآيات :
1 - منها : في سورة الطلاق الآية 7 : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
( 1 )
.
شرح
يكونوا من أهل الشرائع على قبح ذلك .
إلّا أن المفيد هو الإجماع الذي يكشف عن رأي المعصوم « عليه السلام » وهو : اتفاق الفقهاء والعلماء كافة ، ومثل هذا الاتفاق لم يتحقّق قطعا ، إذ علماؤنا الأخباريون مخالفون للبراءة ، وقائلون بوجوب الاحتياط . ومضافا إلى ذلك : يمكن أن يكون اتفاقهم مستندا إلى ما هو المدارك عندهم فلا يكشف مثل هذا الاتفاق عن رأي المعصوم ، بل لا بد من الرجوع إلى نفس المدارك ، بمعنى : أن الإجماع المنقول وقع النزاع في اعتباره لكونه منقولا بخبر الواحد ، وإن دليل اعتباره هل يشمل الخبر الحدسي أم يختص بالحسي ؟ وقد بينّا تفصيله في محله فراجع .
وهذا كله فرع تحقق نفس الإجماع ، وفي المقام حيث لا سبيل إلى الجزم بحصول هذا الإجماع ، لقوة احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه العقلية أو النقلية المستدل بها على البراءة ، فلا يبقى اطمئنان بكشفه عن رأي المعصوم « عليه السلام » » .
قال صاحب الكفاية في كفايته : « ولو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة . . . » أي : إنه لو سلم تحقق الإجماع المنقول في المقام فهو غير معتبر أيضا ، لأنه على القول باعتباره إنما يعتبر في الجملة يعني :
فيما إذا لم يحتمل كونه مدركيا ، وفي المقام حيث يحتمل ذلك لاحتمال استناد المجمعين إلى ما ذكر فيه من الأدلّة العقلية والنقلية ، فلا يكون هذا الإجماع حجة « 1 » .
( 1 ) وتقريب الاستدلال بالآية الكريمة : إن اسم الموصول فيها ، إما أن يراد به المال أو الفعل أو التكليف أو الجامع . هذه أربعة احتمالات فأيهم هو المراد من اسم الموصول ؟
الاحتمال الأول : « المال » : يحتمل فيها إرادة المال من اسم الموصول وهو المتيقن لأنه المناسب لمورد الآية ، فيكون المعنى : « إنه سبحانه لا يكلف نفسا إنفاق مال إلّا ما أعطاها من المال » . وهذا المعنى كما قلنا هو ظاهر الآية بملاحظة صدرها وذيلها :لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً .فتدل - بمقتضى سياق الآية المتقدمة عليها الواردة في حكم إنفاق الآباء على أزواجهم أيام الحمل ودفع الأجرة على الرضاع - على
هامش
( 1 ) راجع منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، ج 5 ، ص 293 ( بتصرف ) .