وبعد هذا يبقى أن نتساءل : لما ذا لا يصح جريان استصحاب الفرد المردد ؟ نقول :
لقد اختلفت تعبيرات الأساتذة في وجهه ، فقد قيل : لأنه لا يتوفر فيه الركن الثاني وهو الشك في البقاء ، وقيل : بل لا يتوفر الركن الأول وهو اليقين بالحدوث فضلا عن الركن الثاني .
شرح
الملاقي . نعم هذا العنوان موضوع للمانعية عن صحة الصلاة ، فيجري الاستصحاب بمفاد كان التامة بلحاظ هذا الأثر في ثوب المصلي أو بدنه ، لا بلحاظ الحكم بنجاسة الملاقي . وحينئذ : تندفع الشبهة المعروفة ، إذ لا يلزم من استصحاب طبيعة النجاسة المرددة بين طرفي الأعلى والأسفل من العباءة ، بلحاظ أثر المانعية بعد تطهير الجانب المعين منه نجاسة الملاقي لطرفيه المغسول وغيره كي ترد الشبهة المعروفة ، فافهم واغتنم » . ( نهاية الأفكار ، 4 / 132 ) .
ويمكن إرجاع جل ما أفاده إلى الجواب الثاني المتقدم الذي ألقاه المحقق النائيني « قدّس سرّه » في دورته الأصولية الأخيرة .
وكيف كان فجواب شيخنا المحقق العراقي متين . إلّا أن الظاهر عدم الحاجة إلى استصحاب النجاسة بمفاد كان التامة لترتيب أثر المانعية أيضا ، لكفاية نفس العلم الإجمالي في تنجيز وجوب الاجتناب عن العباءة المذكورة في الصلاة كوجوب الاجتناب عقلا عن الثوبين المشتبهين فيها .
وعليه : فلا يجري الاستصحاب بأنحائه في العباءة . أما بمفاد كان التامة : فلإشكال الإثبات بالنسبة إلى نجاسة الملاقي ، ولعدم الحاجة إليه لترتيب المانعية . وأما بمفاد كان الناقصة : ففي خصوص الطرف المغسول للقطع بالطهارة ، وفي الطرف الآخر لعدم اليقين السابق ، وفي الموضع غير المعين - الذي عبر عنه المحقق العراقي « قدّس سرّه » بالقطعة الشخصية المرددة - لكونه من استصحاب الفرد المردد الذي لا يجري في نفسه . مضافا إلى إنه لا يثبت نجاسة الملاقي حتى يحكم بنجاسة ملاقيه .
فتلخص من هذا البحث الطويل أمور : الأول : إن الاستصحاب في مسألة العباءة ليس من القسم الثاني من استصحاب الكلي كما زعمه السيد الفقيه الصدر « قدّس سرّه » حتى يكون بطلان لازم جريانه في العباءة - وهو نجاسة ملاقيه التي هي خلاف ما تسالموا عليه من طهارة ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة - دليلا على عدم صحة جريان استصحاب الكلي في القسم الثاني رأسا .
الثاني : أن الاستصحاب في المقام على تقدير جريانه يكون من القسم الأول من استصحاب الكلي ؛ للعلم بوجود النجاسة في العباءة والشك في ارتفاعها ، فيجوز استصحاب كل من الكلي والشخصي كالعلم بوجود زيد في الدار والشك في خروجه عنها في جواز استصحاب كلي الإنسان وخصوص زيد فيما إذا كان الأثر الشرعي مترتبا على الكلي ، إلّا إن الاستصحاب في المقام كما عرفت لا يجري مطلقا لا في الكلي ولا في الشخصي ، لما مر من تفصيله .
الثالث : أن الملاقي للعباءة كغيره مما يلاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة محكوم بالطهارة ، ولا يكون الحكم بطهارته مؤيدا لعدم اعتبار استصحاب الكلي في القسم الثاني فضلا عن كونه دليلا عليه ، لما