بقاء ما هو متيقن الوجود سابقا ، وهذا هو الظاهر من معنى الاستصحاب ، فلو انعكس الأمر بأن كان زمان المتيقن متأخرا عن زمان المشكوك ؛ بأن يشك في مبدأ حدوث ما هو متيقن الوجود في الزمان الحاضر . . . فإن هذا يرجع إلى الاستصحاب القهقرى الذي لا دليل عليه ( 1 ) .
مثاله : ما لو علم بأن صيغة افعل حقيقة في الوجوب في لغتنا الفعلية الحاضرة ، وشك في مبدأ حدوث وضعها لهذا المعنى : هل كان في أصل وضع لغة العرب أو أنها نقلت عن معناها الأصلي إلى هذا المعنى في العصور الإسلامية ؟ فإنه يقال هنا :
إن الأصل عدم النقل ، لغرض إثبات أنها موضوعة لهذا المعنى في أصل اللغة ، ومعنى ذلك في الحقيقة : جر اليقين اللاحق إلى الزمن المتقدم . ومثل هذا الاستصحاب يحتاج إلى دليل خاص ولا تكفي فيه أخبار الاستصحاب ولا أدلته الأخرى ، لأنه ليس من باب عدم نقض اليقين بالشك ، بل يرجع أمره إلى نقض الشك المتقدم باليقين المتأخر .
7 - فعلية الشك واليقين :
بمعنى : إنه لا يكفي الشك التقديري ولا اليقين التقديري . واعتبار هذا الشرط لا من أجل إن الاستصحاب لا يتحقق معناه إلّا بفرضه ، بل لأن ذلك مقتضى ظهور لفظ الشك واليقين في أخبار الاستصحاب ، فإنهما ظاهران في كونهما فعليين كسائر الألفاظ في ظهورها في فعلية عناوينها ( 2 ) .
شرح
( 1 ) المراد من الاستصحاب القهقري هو : أن يكون زمان المشكوك قبل زمان المتيقن . ومثاله : إذا فرضنا أن لفظا ظاهرا فعلا في معنى من المعاني ظهورا عرفيا ولغويا كظهور صيغة افعل في الوجوب ، وشككنا في مبدأ حدوث وضعها لهذا المعنى .
والغرض من الاستصحاب القهقري هو : سحب الحالة المتيقنة الآن إلى الخلف وإلى الوراء لكي نثبت أن هذا الظهور موجود في زمان اللغة ، وفي زمان صدور النص .
( 2 ) قال السيد الشهيد الصدر في بيان هذا المطلب ما يلي : « . . . والشك تارة : يكون موجودا وجودا فعليا ، كما في الشاك الملتفت إلى شكه ، وأخرى : يكون موجودا وجودا تقديريا ، كما في الغافل الذي لو التفت إلى الواقعة لشك فيها ، ولكنه غير شاك فعلا لغفلته ، ومن هنا وقع البحث في إن الشك المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب هل يشمل القسمين معا أو يختص بالقسم الأول ؟ فإذا كان المكلف على يقين من الحدث ثم شك في بقائه وقام وصلى ملتفتا إلى شكه ، فلا ريب في أن استصحاب الحدث يجري في حقه وهو يصلي ، وبذلك تكون الصلاة من حين وقوعها محكومة بالبطلان - لاستصحابه الحدث - وفي مثل هذه الحالة لا يمكن للمكلف إذا فرغ من صلاته هذه أن يتمسك لصحتها بقاعدة