فذاك هو كل المطلوب وهو أقصى ما يرمي إليه المجتهد الباحث ويطلب منه ، ولكن هذا فرض لم يتفق حصوله لواحد من المجتهدين ، بأن تحصل له الأدلّة على الأحكام الإلزامية كلها ، لعدم توفر الأدلّة على الجميع .
وأما إذا فحص ولم تتم له إقامة الحجة إلّا على جملة من الموارد ، وبقيت لديه موارد أخرى يحتمل فيها ثبوت التكليف ويتعذر فيها إقامة الحجة - لأي سبب كان ( 1 ) - فإن المكلف يقع لا محالة في حالة من الشك تجعله في حيرة من أمر تكليفه .
فما ذا تراه صانعا ؟
هل هناك حكم عقلي يركن إليه ويطمئن بالرجوع إلى مقتضاه ؟
أو أن الشارع قد راعى هذه الحالة للمكلف لعلمه بوقوعه فيها ، فجعل له وظائف عملية يرجع إليها عند الحاجة ويعمل بها لتطمينه من الوقوع في العقاب ؟
هذه أسئلة يجب الجواب عنها .
وهذا المقصد الرابع وضع للجواب عنها ، ليحصل للمكلف اليقين بوظيفته التي يجب عليه أن يعمل بها عند الشك والحيرة .
وهذه الوظيفة أو الوظائف هي التي تسمى عند الأصوليين بالأصل العملي ، أو القاعدة الأصولية ، أو الدليل الفقاهتي .
وقد اتضح لدى الأصوليين : أن الوظيفة الجارية في جميع أبواب الفقه من غير اختصاص بباب دون باب ( 2 ) هي على أربعة أنواع :
شرح
( 1 ) إن تعذر إقامة الحجة قد يحصل من جهة فقدان الدليل ، وقد يحصل من جهة إجماله ، وقد يحصل من جهة تعارض الدليلين وتعادلهما من دون مرجح لأحدهما على الآخر . ( المصنف ) .
( 2 ) لما ذا الاهتمام بالأصول الأربعة دون سواها ، مع أنه توجد أصول أخرى كأصالة الطهارة مثلا وغيرها من الأصول . . . لما ذا هذا الحصر ؟ الجواب : كما ذكره صاحب المتن : لأن الأصول الأربعة هذه عامة تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية ، وفي كل كتاب من الفقه ، وفي كل باب من أبواب الفقه ، أما غيرها من الأصول : فإن عم الشبهة الحكمية والموضوعية اختص باب واحد من أبواب الفقه كأصل الطهارة فإنه خاص بباب الطهارة فقط دون غيرها . ومثال آخر : أصالة الصحة فإنها أصل إلّا أنه خاص بالشبهة الموضوعية وحدها وهي فعل الإنسان . ولذا اهتم العلماء بالأصول الأربعة دون سائر الأصول لشموليتها لجميع الأبواب والكتب الفقهية .