وهو صورة كون كل من المتعارضين نصا في دلالته لا يمكن تأويله بوجه من الوجوه ، بل ربما يقال : لا وجود لهذه الصورة في المتعارضين .
وببيان آخر برهاني نقول : إن المتعارضين ، لا يخلوان عن حالات أربع : إما أن يكونا مقطوعي الدلالة مظنوني السند ، أو بالعكس ، أي : يكونان مظنوني الدلالة مقطوعي السند ، أو يكون أحدهما مقطوع الدلالة مظنون السند والآخر بالعكس ، أو يكونان مظنوني الدلالة والسند معا . أما فرض أحدهما أو كل منهما مقطوع الدلالة والسند معا : فإن ذلك يخرجهما عن كونهما متعارضين ، بل الفرض الثاني مستحيل كما تقدم ( ص 285 ) . وعليه : فللمتعارضين أربع حالات ممكنة لا غيرها :
فإن كانت الأولى ، فلا مجال فيها للجمع في الدلالة مطلقا للقطع بدلالة كل منهما ، فهو خارج عن مورد القاعدة رأسا كما أشرنا إليه ، بل هما في هذه الحالة إما أن يرجع فيهما إلى الترجيحات السندية ، أو يتساقطان حيث لا مرجح أو يتخير بينهما .
وإن كانت الثانية ، فإنه مع القطع بسندهما كالمتواترين أو الآيتين القرآنيتين لا يعقل طرحهما أو طرح أحدهما من ناحية السند ، فلم يبق إلّا التصرف فيهما من ناحية الدلالة ، ولا يعقل جريان أصالة الظهور فيهما معا لتكاذبهما في الظهور ، وحينئذ : فإن كان هناك جمع عرفي بينهما بأن يكون أحدهما المعين قرينة على الآخر ، أو كل منهما قرينة على التصرف في الآخر - على نحو ما يأتي من بيان وجوه الجمع الدلالتي - فإن هذا الجمع في الحقيقة يكون هو الظاهر منهما ، فيدخلان بحسبه في باب الظواهر ويتعين الأخذ بهذا الظهور .
وإن لم يكن هنا جمع عرفي : فإن الجمع التبرعي لا يجعل لهما ظهورا فيه ليدخل في باب الظواهر ويكون موضعا لبناء العقلاء ، ولا دليل في المقام غير بناء العقلاء على الأخذ بالظواهر ، فما الذي يصحح الأخذ بهذا التأويل التبرعي ويكون دليلا على حجيته ؟
وغاية ما يقتضي تعارضهما : عدم إرادة ظهور كل منهما ، ولا يقتضي أن يكون المراد غير ظاهرهما من الجمع التبرعي ، فإن هذا يحتاج إلى دليل يعينه ويدل على حجيتهما فيه ، ولا دليل حسب الفرض ؟
وإن كانت الثالثة ، فإنه يدور الأمر فيها بين التصرف في سند مظنون السند وبين
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 308
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٣٠٨