2 - حجية سيرة المتشرعة :
إن السيرة عند المتشرعة من المسلمين على فعل شيء أو تركه هي في الحقيقة من نوع الإجماع ، بل هي أرقى أنواع الإجماع ، لأنها إجماع عملي من العلماء وغيرهم . والإجماع في الفتوى إجماع قولي من العلماء خاصة .
والسيرة على نحوين : تارة : يعلم فيها أنها كانت جارية في عصور المعصومين « عليهم السلام » ، حتى يكون المعصوم أحد العاملين بها أو يكون مقررا لها ، وأخرى :
لا يعلم ذلك أو يعلم حدوثها بعد عصورهم .
فإن كانت على ( النحو الأول ) - فلا شك في : أنها حجة قطعية على موافقة الشارع ، فتكون بنفسها دليلا على الحكم كالإجماع القولي الموجب للحدس القطعي برأي المعصوم . وبهذا تختلف ( 1 ) عن ( سيرة العقلاء ) ، فإنها إنما تكون حجة إذا ثبت من دليل آخر إمضاء الشارع لها ولو من طريق عدم ثبوت الردع من قبله كما سبق .
وإن كانت على ( النحو الثاني ) - فلا نجد مجالا للاعتماد عليها في استكشاف موافقة المعصوم على نحو القطع واليقين ، كما قلنا في الإجماع ، وهي نوع منه ، بل هي دون الإجماع القولي في ذلك كما سيأتي وجهه .
قال الشيخ الأعظم في كتاب البيع في مبحث المعاطاة ( 2 ) : ( وأما ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث - يقصد توريث ما يباع معاطاة - فهي كسائر سيراتهم الناشئة من المسامحة وقلة المبالاة في الدين ، مما لا يحصى في عبادتهم ، ومعاملاتهم ، كما لا يخفى ) .
ومن الواضح : أنه يعني من السيرة هذا النحو الثاني ، والسر في عدم الاعتماد على هذا النحو من السيرة هو : ما نعرف من أسلوب نشأة العادات عند البشر وتأثير العادات على عواطف الناس . إن بعض الناس المتنفذين أو المغامرين قد يعمل شيئا استجابة لعادة غير إسلامية أو لهوى في نفسه ، أو لتأثيرات خارجية نحو تقليد الأغيار ، أو لبواعث انفعالات نفسية مثل حب التفوق على الخصوم أو إظهار عظمة
شرح
( 1 ) راجع حاشية شيخنا الأصفهاني على مكاسب الشيخ ، ص 25 .
( 2 ) المكاسب ص 83 طبع تبريز سنة 1275 ه .