تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
فيها أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء ، إذ لا مانع من ذلك . وإما ألا ينتظر ذلك ، لوجود مانع من اتحاده معهم في المسلك ، كما في الاستصحاب .
شرح
أحدهما : مواجهة سلوك فرد خاص يتصرف أمام المعصوم ، كأن يمسح أمام المعصوم في وضوئه منكوسا ويسكت عنه . والآخر : مواجهة سلوك اجتماعي وهو ما يسمى بالسيرة العقلائية كما إذا كان العقلاء بما هم عقلاء يسلكون سلوكا معينا في عصر المعصوم ، فإنه بحكم تواجده بينهم يكون مواجها لسلوكهم العام ، ويكون سكوته دليلا على الإمضاء . ومن هنا أمكن الاستدلال بالسيرة العقلائية عن طريق استكشاف الإمضاء من سكوت المعصوم . والإمضاء المستكشف بالسكوت ينصبّ على النكتة المركوزة عقلائيا لا على المقدار الممارس من السلوك خاصة . وهذا يعني أولا : إن الممضى ليس هو العمل الصامت لكي لا يدل على أكثر من الجواز ، بل هو النكتة ، أي : المفهوم العقلائي المرتكز عنه فقد يثبت به حكم تكليفي مثلا : عدم جواز التصرف في ملك الغير ، أو حكم وضعي - مثلا : الحكم بالملكية فيما إذا حزت السمك من البحر ، فالحيازة سبب الملكية - . ثانيا : إن الإمضاء لا يختص بالعمل المباشر فيه عقلائيا في عصر المعصوم ، ففيما إذا كانت النكتة أوسع من حدود السلوك الفعلي كان الظاهر من حال المعصوم إمضاءها كبرويا وعلى امتدادها » . وببيان أوضح : أطرح تقريري لدرس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي على هذا المطلب حيث قال : لما كان الإمضاء إمضاء للنكتة المركوزة التي على أساسها قام العقلاء بذلك الفعل . حينئذ : نستكشف حكما تكليفيا آخر غير الجواز من قبيل الوجوب ، أو قد نستكشف حكما وضعيا من قبيل الملكية أو الصحة والبطلان في باب العمل بخبر الثقة ، فعمل العقلاء بخبر للثقة لا يتعدد بحدود العمل الصامت الصادر منهم ، بمعنى : إن العمل الصادر منهم لو اقتصرنا عليه لا يدل على أكثر من الجواز للعمل بخبر الثقة ؛ لأن العمل لا يدل على الوجوب ، وإنما غاية ما يدل عليه هو الجواز لكن نقول : إن الشارع عندما يسكت عن هذه السيرة ويمضيها فهو لا يمضي نفس العمل ، وإنما يمضي النكتة التي على أساسها عملوا ذلك العمل ، والنكتة قد تستدعي وجوب العمل بخبر الثقة . فالعقلاء قد يعملون بخبر العادل لكن بنكتة تقتضي السراية إلى العمل بخبر غير العادل وهو الفاسق مثلا . فمثلا : لو كانت النكتة هي الوثاقة ، والشارع حينما يمضي لا يمضي نفس العمل ، وإنما يمضي النكتة للعمل بخبر العادل أي : يمضي الوثاقة في خبر العادل . إذا : نحن نقول : إن الشارع أمضى النكتة فحينئذ : نلتزم بالعمل بخبر الثقة بمجرد وجود النكتة ، وإن كان المخبر غير عادل ، كما أن من نتائج هذا عدم الاقتصار على الظرف والزمن الذي تحققت فيه السيرة . بمعنى : إن الشارع حينما يمضي السيرة التي يعارضها لا يمضيها فعلا فقط ، وإنما يمضيها على امتداد التاريخ لأنه يمضي النكتة التي على أساسها عملوا بذلك العمل ، وهذه النكتة كما يعمل بها العقلاء اليوم أيضا يعملون بها غدا . ولذلك يمكن التمسك بهذا الإمضاء على امتداد الزمن لأنه إمضاء للنكتة ، والسيرة التي يستكشف بها إمضاء