تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
شخصه أو دينه أو نحو ذلك . ويأتي آخر فيقلد الأول في عمله ، ويستمر العمل ، فيشيع بين الناس من دون أن يحصل من يردعهم عن ذلك ، لغفلة ، أو لتسامح ، أو لخوف ، أو لغلبة العاملين فلا يصغون إلى من ينصحهم ، أو لغير ذلك . وإذا مضت على العمل عهود طويلة يتلقاه الجيل بعد الجيل ، فيصبح سيرة المسلمين ، وينسى تأريخ تلك العادة ، وإذا استقرت السيرة يكون الخروج عليها خروجا على العادات المستحكمة ؛ التي من شأنها أن تتكون لها قدسية واحترام لدى الجمهور ، فيعدون مخالفتها من المنكرات القبيحة ، وحينئذ : يتراءى أنها عادة شرعية وسيرة إسلامية ، وأن المخالف لها مخالف لقانون الإسلام وخارج على الشرع . ويشبه أن يكون من هذا الباب : سيرة تقبيل اليد ، والقيام احتراما للقادم ، والاحتفاء بيوم النوروز ، وزخرفة المساجد والمقابر . . . وما إلى ذلك من عادات اجتماعية حادثة . وكل من يغتر بهذه السيرات وأمثالها ، فإنه لم يتوصل إلى ما توصل إليه الشيخ الأنصاري الأعظم من إدراك سر نشأة العادات عند الناس على طول الزمن ، وأن لكل جيل من العادات في السلوك والاجتماع والمعاملات والمظاهر والملابس ما قد يختلف كل الاختلاف عن عادات الجيل الآخر . هذا بالنسبة إلى شعب واحد وقطر واحد ، فضلا عن الشعوب والأقطار بعضها مع بعض ، والتبدل في العادات غالبا يحدث بالتدريج في زمن طويل قد لا يحس به من جرى على أيديهم التبديل . ولأجل هذا لا نثق في السيرات الموجودة في عصورنا أنها كانت موجودة في العصور الإسلامية الأولى . ومع الشك في ذلك فأجدر بها ألا تكون حجة لأن الشك في حجية الشيء كاف في وهن حجيته ، إذ لا حجة إلّا بعلم .

3 - مدى دلالة السيرة :

إن السيرة عندما تكون حجة فأقصى ما تقتضيه : أن تدل على مشروعية الفعل وعدم حرمته في صورة السيرة على الفعل ، أو تدل على مشروعية الترك وعدم وجوب الفعل في صورة السيرة على الترك . أما استفادة الوجوب من سيرة الفعل ، والحرمة من سيرة الترك : فأمر لا تقتضيه نفس السيرة ، بل كذلك الاستحباب والكراهة ؛ لأن العمل في حد ذاته مجمل لا دلالة له على أكثر من مشروعية الفعل أو الترك .