الدليل الثاني -
عموم تعليل آية النبأ : وقيل : أن عموم التعليل في آية النبأ
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
يدل على اعتبار مثل الشهرة ؛ لأن الذي يفهم من التعليل : أن الإصابة من الجهالة هي المانع من قبول خبر الفاسق بلا تبين . فيدل على أن كل ما يؤمن معه من الإصابة بجهالة فهو حجة يجب الأخذ به . والشهرة كذلك .
والجواب : إن هذا ليس تمسكا بعموم التعليل - على تقدير تسليم أن هذه الفقرة من الآية واردة مورد التعليل - وقد تقدم بيان ذلك في أدلة حجية خبر الواحد - بل هذا الاستدلال تمسك بعموم نقيض التعليل ، ولا دلالة في الآية على نقيض التعليل بالضرورة ؛ لأن هذه الآية نظير نهي الطبيب عن بعض الطعام لأنه حامض مثلا ، فإن هذا التعليل لا يدل على أن كل ما هو ليس بحامض يجوز أو يجب أكله ، وكذلك هنا ، فإن حرمة العمل بنبأ الفاسق بدون تبين لأنه يستلزم الإصابة بجهالة لا تدل على وجوب الأخذ بكل ما يؤمن فيه ذلك وما لا يستلزم الإصابة بجهالة . وأما دلالتها على خصوص حجية خبر الواحد العادل : فقد استفدناه من طريق آخر ، وهو طريق مفهوم الشرط على ما تقدم شرحه ، لا من طريق عموم نقيض التعليل .
وبعبارة أخرى : إن أكثر ما تدل الآية في تعليلها على أن الإصابة بجهالة مانع عن تأثير المقتضي لحجية الخبر ، ولا تدل على وجود المقتضي للحجية في كل شيء آخر - حيث لا يوجد فيه المانع ؛ حتى تكون دالة على حجية مثل الشهرة المفقود فيها المانع .
نقول : إن فقدان المانع عن الحجية في مثل الشهرة لا يستلزم وجود المقتضى فيها للحجية ، ولا تدل الآية على أن كل ما ليس فيه مانع ففيه المقتضى موجود .
الدليل الثالث -
دلالة بعض الأخبار : قيل : أن بعض الأخبار دالة على اعتبار الشهرة ، مثل : مرفوعة زرارة ، قال زرارة : قلت : جعلت فداك ! يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان ، فبأيهما نعمل ؟ قال « عليه السلام » : « خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذ النادر » .
قلت : يا سيدي : هما معا مشهوران مأثوران عنكم .
قال : « خذ بما يقوله أعدلهما . . . » إلى آخر الخبر .
والاستدلال بهذه المرفوعة من وجهين : الأول : إن المراد من الموصول في قوله : ( بما اشتهر ) مطلق المشهور بما هو مشهور ، لا خصوص الخبر ، فيعم المشهور بالفتوى ، لأن الموصول من الأسماء المبهمة التي