وذلك بأن يكون به الظفر على الغير عند الخصومة معه . والظفر على الغير على
شرح
الاجتناب عنه قياس غير منتج لأنّ قولنا : وكلّ معلوم الخمريّة خمر كاذبة ، « إذ معلوم الخمرية يمكن أن يكون خمرا ، ويمكن أن لا يكون ، ووجوب الاجتناب لم يترتب على معلوم الخمرية بل على الخمر الواقعي ؛ لأن الكلام في القطع الطريقي فلا يكون علقة ثبوتية بين العلم وبين الأكبر لا علقة التلازم ولا علقة العلية والمعلولية ، وما لم يكن علقة لا يصلح جعله وسطا فلا يكون حجة باصطلاح المنطقي » .
[ الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمّد تقي الحكيم بتصرف ] .
3 - الحجة عند الأصوليين :
« أما الأصوليون : فإن لهم اصطلاحهم الخاص فيها ، فهم يطلقونها على خصوص الأدلة الشرعية من الطرق والأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي ، من دون أن يكون بينها وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه » . وبعبارة أخرى : الحجة عند الأصوليين : هو ما يكون واسطة في الإثبات شرعا ، كالأدلة الاجتهادية والقواعد المعتبرة التي نثبت بها الأحكام ، وكالبيّنة وقول ذي اليد ونحوهما مما تثبت به موضوعاتها ، فكل ما يكون معتبرا شرعا تأسيسا أو إمضاء ويثبت به حكم أو موضوعه ، تطلق عليه الحجة باصطلاح الأصول . والظاهر عدم الاختصاص لها بالأصول حتى تكون اصطلاحا خاصا فيه ، لأن الواسطة في الإثبات شائعة في جميع العلوم ، فكل ما يكون منشأ لإثبات مورده عقلا أو عرفا أو شرعا ، يسمى دليلا وحجة وواسطة في الإثبات .
وعن جمع منهم شيخنا المحقق النائيني « قدّس سرّه » : عدم صحة إطلاق الحجة على القطع بهذا المعنى ، لعدم كونه واسطة في الإثبات شرعا ، لما قالوا من أن اعتباره عقلي ولا يمكن الجعل الشرعي بالنسبة إليه ، وهناك رد على هذا الإشكال راجع كتاب : تهذيب الأصول ، للسيد عبد الأعلى السبزواري .
ج 2 ، ص 15 .
ومن الواضح : عدم الارتباط الواقعي بين نفس الأمارة وما تقوم عليه ، سواء كان موضوعا خارجيا أم حكما شرعيا ، أما الموضوع الخارجي : فواضح جدا لبداهة عدم الارتباط بين الظن بخمرية شيء وبين الخمر الواقعي ، لا على العلية والمعلولية ولا على نحو التلازم ؛ لأن الظن بخمرية ماء مثلا لا يكون علة في تحويل ذلك الماء إلى خمر واقعي ، كما إنه لا تلازم واقعا بين هذا الظن وثبوت مؤداه .
وأما في الأحكام : فأمرها واضح ؛ لأن الأحكام إنما ترد على موضوعاتها الواقعية لا على ما قام عليه الظن ؛ إلّا على قسم من مباني القائلين بالتصويب ، وسيأتي الكلام فيها في موضعه ، والظن لا يزيد على كونه واسطة في إثبات متعلقه لا ثبوته .
والظاهر أن منشأ إطلاق كلمة الحجة على القياس عند المناطقة وعلى الطرق الشرعية والأمارات عند الأصوليين هو كونهما من صغريات ما يصح الاحتجاج به عقلا ، وقد ضيقوها تبعا لحاجتهم في الاصطلاح .
فالحجية اللغوية إذا : أوسع نطاقا منها عند المناطقة والأصوليين لصدقها بحكم ما يتبادر منها على كل ما يصلح الاحتجاج به علما كان أو أمارة أو أصلا ، شريطة أن تتوفر فيه جنبة اعتراف الشارع به وتنبيه من قبله باعتباره مشرّعا أو سيدا للعقلاء .