تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
1 - الكلام في صدر الآية :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ،
تمهيدا للاستدلال ، فإن الظاهر من هذه الفقرة : نفي وجوب النفر على المؤمنين كافة ( 1 ) ،
شرح
التكليف ، إذا : الآية الشريفة حينما توجب الحذر على هذا الإنسان لا يعني افتراض وجوب الحذر عند إخبار المخبر أي : لا يعني حجيّة قول هذا المخبر ، وإنما بناء على مسلك حق الطاعة قد تعني أن احتمال التكليف الذي يولده الخبر يكون منجّزا في حق هذا المكلف فيجب عليه الحذر ، وهذا بخلاف البناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان . ومن هنا يتعيّن أن يكون وجوب الحذر والمنجزيّة بالنسبة إلى السامع ناشئا من حجيّة قول المخبر ؛ لأنه لو لم يكن قوله حجة لما كان هناك معنى لوجوب الحذر والمنجزيّة ، لأن قبح العقاب بلا بيان قاعدة محكّمة في المقام ، وهي تقول : إن احتمال التكليف غير منجز ، فلما كان احتمال التكليف ليس له قيمة ، والآية توجب الحذر ، ومؤدّى خبر هذا المخبر تنجز في حقه فينحصر تفسير هذه المنجزيّة ، ووجوب الحذر بحجية قول المخبر عندما نبني على حقّ الطاعة ، وأما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فهذا الكلام لا يتم . الاعتراض الثالث : إن هذه الآية أساسا لا تشمل محل كلامنا هو الخبر الذي يرويه زرارة مثلا أي : الخبر الذي يرويه الثقة ، بينما الآية ليست ناظرة إلى الخبر المجرد ، وإنما اعتبر فيها وجود الإنذار فهو ليس إخبارا مجرّدا ، وإنما هو إخبار مطعم بشيء أكثر من الإخبار ، ومحل كلامنا هو الخبر العادي المجرّد نحو سمعت الإمام « عليه السلام » يقول كذا . . . رأيت الإمام « عليه السلام » يفعل كذا . . هذا هو محل كلامنا . هل هذا الخبر حجة أم لا ؟ أمّا الآية الكريمة فلا تفترض ذلك ، فلو سلّمنا أن الآية تدل على حجيّة خبر المخبر وإن وجوب الإنذار ليس له تفسير إلّا الإيمان بحجيّة خبر هذا المخبر . لو سلّمنا بكل ذلك فهذا لا ينفع في محل الكلام لأن حجيّة قول المنذر لا تعني حجيّة قول المخبر ؛ لأن المنذر غير المخبر . المنذر ليس هو الذي يخبر خبرا رآه بعينه وسمعه بأذنه ، وإنما لا بدّ أن يطعم ما رآه بشيء من إعمال نظره حتّى يتحقق أنه منذر ، فالواعظ حينما يرتقي المنبر تارة : يقول : يوجد في كتاب الكافي رواية كذا . . . فينقل تلك الرواية التي رآها أو سمعها . . . وتارة : يقول : أيها الناس اجتنبوا الخمر فإنه محرّم . في الحالة الثانية يصدق عليه أنّه أنذر الناس ، لما ذا ؟ لأنّه أعمل نظره وذلك بأن استنبط شيئا مما سمعه ، وأنذر الناس به بأن استنبط حرمة الخمر ، وأنذر الناس بلزوم اجتنابه هذا يصدق عليه أنه إنذار لأنّه - أي الإنذار - عبارة عن إعمال نظر لا الإخبار الصرف . يعني : أن الإنذار هو مزج الإخبار باعمال النظر ، وإلّا فهو إخبار . ومحل كلامنا هو الإخبار الصرف كخبر زرارة الذي سمعه من الإمام « عليه السلام » ، بينما الآية في مقام الاجتهاد أي : في مقام إنذار المنذر لا إخبار المخبر » « 1 » . ( 1 ) يستفيد بعضهم من الآية : النهي عن نفر الكافة ، وهي استفادة بعيدة ، وليست كلمة ( ما ) من أدوات النفي . إذا : ليس لهذه الآية أكثر من الدلالة على نفي الوجوب . ( المصنّف ) .
هامش
( 1 ) تقريري لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي على الحلقة الثانية .