ولكن ينبغي أن نتكلم في نشأتهما ، فإنه يجوز أن يكونا من وضع واضع واحد بأن يضع شخص واحد لفظين لمعنى واحد أو لفظا لمعنيين ، ويجوز أن يكونا من وضع واضعين متعددين ، فتضع قبيلة - مثلا - لفظا لمعنى وقبيلة أخرى لفظا آخر
شرح
أما التطويل بلا طائل : فلأننا نمنع تحققه عند استعمال المشترك ونصب القرينة . فضلا عن أن الكلام مع الحبيب يقتضي التطويل فلا يكون بلا طائل .
وإما الإخلال بالغرض : فلأنه لا يلزم منه الإجمال ، وذلك لما قلنا : من أنه يمكن تعلّق الغرض بإيراد اللفظ مجملا ، فيكون لائقا به سبحانه ، كيف ؟ وقد صرّح سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بوجود المتشابه فيه ، وهو المجمل المعنى ، فقوله تعالى :مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌإن وقوع الشيء أول دليل على إمكانه .
دليل من قال بلزوم الاشتراك : وهو يتركب من مقدمتين :
الأولى : إن الألفاظ متناهية لتركبها من الحروف الهجائية المتناهية ، والمركب من المتناهي متناهي .
الثانية : إن المعاني غير متناهية ، ومن المعلوم : إن المتناهي لا يفنى بغير المتناهي ، فلا بدّ من وضع اللفظ لعدة معاني والاشتراك اللفظي لنفي الألفاظ بالمعاني .
جواب دليل اللزوم : بأربعة أوجه : الأول : أنا نمنع عدم تناهي المعاني ، وذلك لأنه لو كانت المعاني غير متناهية لاقتضت وضعا غير متناهي ، مع أن الوضع متناهي فلا بدّ من أن تكون المعاني أيضا متناهية ، فلا حاجة إلى الاشتراك اللفظي .
الثاني : أنا لو سلّمنا إمكان الاشتراك في المعاني الغير متناهية ، ووضع اللفظ لها بوجه لكن نقول : إن هذا غير ممكن أيضا لمحذور لأنا نقول : إن الواضع إما أن يدعى أنه هو الله « سبحانه وتعالى » . وهو قادر على الإحاطة بغير المتناهي فيضع الألفاظ للمعاني الغير متناهية ، لكن نقول : إن استعمالات البشر للألفاظ متناهية أيضا ، فلا بدّ من أن تكون المعاني التي يستعمل البشر فيها الألفاظ متناهية فيكون الوضع الزائد عن حاجة البشر لغوا ، وهو محال على الله تعالى . وإما أن يدعى أن الواضع هو غير الله فنقول أيضا : هنا يلزم محذور وهو انتفاء الغرض من وضع الألفاظ المخالف لحكمة الوضع . فلا فائدة من وضع الألفاظ لمعاني لا يحتاج البشر لتفهمها وتفهيمها .
الثالث : إن المعاني الغير متناهية هي المعاني الجزئية ، ويمكن الاستغناء عن الوضع للمعاني الجزئية بالوضع للمعاني الكلية ، فلا داعي للاشتراك اللفظي ما دام يمكن الاشتراك المعنوي .
الرابع : إن باب التفهيم والتفهم ليس منحصرا بالاستعمال الحقيقي ، بل يمكن الإفهام بالاستعمال المجازي ؛ لأن باب المجاز واسع ، فلا داعي للاشتراك وتكرر الوضع « 1 » .
هامش
( 1 ) المصادر : 1 - تقريراتي لدرس الكفاية لفضيلة الشيخ باقر الإيرواني . ( بتصرف ) .
2 - محاضرات في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 198 - 202 .
3 - منتهى الدراية في شرح الكفاية ، ج 1 ، ص 169 - 176 .