شرح
لعدم حجيتها ، لأن الأصل عدم اعتباره .
المناقشة الرابعة : لو سلمنا بالقاعدة ، وأنها تجدي وإن لم يحصل العلم به ، وقلنا : بحجية الظن بالأولوية في ترجيح النهي على الأمر ولكن بشرط إذا لم تجر فيه أصالة البراءة . إذا : قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة يمكن تطبيقها فيما إذا كان احتمال الوجوب والحرمة موجود ؛ من دون أن يوجد أصل ينفي أحد الاحتمالين ، وأما إذا كان يوجد أصل ينفي أحد الاحتمالين لا يمكن أن تجري القاعدة هنا ؛ لأن الأمر لا يدور بين مفسدة ومصلحة . ومثال على عدم إجراء الأصل لنفي أحد الاحتمالين هو : فيما إذا دار الأمر بين كون الشيء واجبا تعيينيا ، وبين كونه حراما تعيينيا هنا لا يمكن إجراء الأصل ؛ لأن أصالة عدم وجوبه معارض بأصالة حرمته ، هنا تجري قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ؛ لدوران الأمر بين الوجوب والحرمة التعيينين .
وأما في مقامنا هذا في « الصلاة في الأرض المغصوبة » ، لا تجري القاعدة ، فإن الصلاة وجوبها تخييري فإن وجوب الصلاة يتحقق في أي مكان سواء كان في الأرض المغصوبة أو خارج عنها فالمكلف مخير . وأما الحرمة في ( لا تغصب ) فواجب تعييني أي : لا تغصب في أي وقت وفي أي مكان . فعند ما نشك في موردنا توجد حرمة أم لا ؟ نجري أصالة البراءة عن الحرمة التعيينية ، إلا أن هذا يعارض أصالة البراءة عن الوجوب التخييري ؛ لأن أصل البراءة لا يمكن إجراءه لنفي الوجوب التخييري بل أصل البراءة يجري لنفي الوجوب التعييني .
لما ذا لا تجري أصالة البراءة في الوجوب التخييري ؟ لأن أصل البراءة جعله الشارع من باب المنة والتوسعة على العباد ، فإن إجراء أصالة البراءة في الواجب التعييني عند الشك توسعة على العباد ، وأما جريان أصالة البراءة في الواجب التخييري فتسبب الضيق على المكلف لا التوسعة . مثاله : كفارة إفطار يوم من شهر رمضان : هي عتق رقبة أو صوم شهرين متتاليين أو إطعام ستين مسكين . فالكفارة مخيرة بين هذه الأمور الثلاثة . نفترض بأني أعلم جزما أن الصوم واجب ؛ ولكن أشك في العتق والإطعام ؛ هنا إذا أجرينا أصالة البراءة فيها سوف تسبب التضييق على المكلف بأن يتعين عليه الصوم ، وهذا خلاف الغرض من جريان أصالة البراءة وهو التوسعة على العباد .
إذا : في « الصلاة في الأرض المغصوبة » لا تجري القاعدة لإمكان جريان أصل البراءة عن الحرمة التعيينية في ( لا تغصب ) . وإحراز صحة الصلاة ، فهنا لا يوجد إلا شيء واحد وهو وجوب الصلاة . وأما الحرمة الغصبية فقد ارتفعت ببركة الأصل . وشرط جريان القاعدة هو وجود وجوب وحرمة ، وهنا لا يوجد - في النتيجة بعد جريان أصالة البراءة عن الحرمة التعيينية - إلا شيء واحد وهو وجوب الصلاة .
فتكون صحيحة لعدم تعارضها .
الوجه الثالث - الاستقراء : من الوجوه المرجحة للنهي على الأمر : هو الاستقراء ، وتقريبه : أنه يظهر من تتبع كثير من موارد اجتماع الأمر والنهي : أن الشارع يقدم احتمال الحرمة على الأمر . وبعبارة أخرى : وجد العلماء باستقرائهم أنه كلما دار الأمر بين الوجوب والحرمة ، تجد الشارع يقدم الحرمة على الأمر . نضرب مثالين كشاهد :