كانبعاث الحرارة من النار .
وكأن هذا الوجه من التبعية هو المقصود للقوم ، ولذا قالوا : بأن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها إطلاقا ( 1 ) واشتراطا ( 2 ) لمكان هذه المعلولية ، لأن المعلول لا يتحقق إلا حيث تتحقق علته ، وإذا تحققت العلة لا بد من تحققه بصورة لا يتخلف عنها . وأيضا عللوا امتناع وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها بامتناع وجود المعلول قبل وجود علته .
ولكن هذا الوجه لا ينبغي أن يكون هو المقصود من تبعية الوجوب الغيري وإن اشتهر على الألسنة ، لأن الوجوب النفسي لو كان علة للوجوب الغيري فلا يصح فرضه إلا علة فاعلية تكوينية دون غيرها من العلل ، فإنه لا معنى لفرضه علة صورية أو مادية أو غائية ( 3 ) .
ولكن فرضه علة فاعلية أيضا باطل جزما ، لوضوح : أن العلة الفاعلية الحقيقية للوجوب هو الأمر ، لأن الأمر فعل الآمر ( 4 ) .
شرح
( 1 ) أي : إذا كان ذو المقدمة مطلقا وجب أن تكون المقدمة مطلقة ؛ لاستحالة إطلاق ذيها وتقييد المقدمة وإلا لزم وجود علة بلا معلول . وبعبارة أخرى : كل القيود المأخوذة في وجوب الصلاة لا بدّ أن تؤخذ في المقدمة ، فالصلاة ليست مقيدة بالذكورية والأنوثية والسفر بل هي واجبة مطلقا ، وإلا لزم وجود علة بلا معلول ؛ كما إذا كانت المقدمة مقيدة بالسفر وذو المقدمة مطلقة يلزم في الحضر وجود العلة بلا معلول ، أي : يلزم وجود الصلاة بلا وضوء .
( 2 ) أي : إذا كان ذو المقدمة مقيدا فلا بدّ أن تكون المقدمة مقيدة أيضا كما في الصلاة المقيدة بالوقت ، فلا بدّ أن تكون المقدمة - وهي وجوب الوضوء - مقيدة بالوقت ؛ وإلا لو كان وجوب الوضوء قبل الوقت لكان هذا الوجوب وهذا المعلول بلا علة .
( 3 ) الثّابت أن العلة على أربعة أقسام :
1 - علة فاعلية : ومثاله : الله بالنسبة إلى الكون ، فالله « سبحانه وتعالى » مؤثر وموجد لهذا الكون ، وكذلك النجار بالنسبة إلى الكرسي ، فالنجار فاعل وموجد لهذا الكرسي .
2 - علة صورية : وهو ما يعبر عنها بالفصل ، وهو ما به يمتاز الشيء مثل : الإنسان في الناطقية ، والحجر في الحجرية .
3 - علة مادية : وهو ما يعبر عنها بالهيولى ، وهو ما به يتقوم الشيء .
4 - علة غائية : وهي الغاية من الشيء .
( 4 ) لأنّ الفاعل حقيقة هو الآمر ، فالآمر هو الذي فعل الأمر وأوجب ذا المقدمة ، إذا : التبعية بهذا الوجه ليست علة ومعلولا ؛ لأنّا أبطلنا كون العلة علة صورية أو فاعلية أو غائية . إذا : التبعية الصحيحة هي بالمعنى الرّابع .