تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
ويندفع هذا التوهم بأدنى تأمل ، فإن ذلك التعبير عن الواجب النفسي صحيح لا غبار عليه ، وهو نظير تعبيرهم عن الله تعالى بأنه « واجب الوجود لذاته » ، فإن غرضهم منه : إن وجوده ليس مستفادا من الغير ولا لأجل الغير كالممكن ، لا إن معناه أنه معلول لذاته . وكذلك هنا نقول في الواجب النفسي ؛ فإن معنى « ما وجب لنفسه » إن وجوبه غير مستفاد من الغير ، ولا لأجل الغير ، في قبال الواجب الغيري الذي وجوبه لأجل الغير ، لا إن وجوبه مستفاد من نفسه . وبهذا يتضح معنى تعريف الواجب الغيري ( ما وجب لواجب آخر ) ، فإن معناه : أن وجوبه لأجل الغير وتابع للغير ، لكونه مقدمة لذلك الغير الواجب . وسيأتي في البحث الآتي توضيح معنى التبعية هذه ليتجلى لنا المقصود من الوجوب الغيري في الباب .
شرح
الغيريّة ، ولذا تصدّى صاحب الكفاية « قدس سره » لدفع هذا الإشكال بوجه آخر ، وهو ما أشار إليه بقوله : فالأولى أن يقال : إنّ الأثر المترتب على الواجب وإن كان لازما إلا أن ذا الأثر لمّا كان معنونا بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله ، بل وبذمّ تاركه صار متعلّقا للإيجاب بما هو كذلك أي : بما أنّه معنون بعنوان حسن ، لا بما إنّه ممّا يترتب عليه الأثر والفائدة حتى يكون واجبا غيريّا . وبعبارة أخرى : أن الواجب النفسي عبارة عن الفعل المتّصف ذاتا بالحسن ؛ بحيث يستقل العقل بمدح فاعله ، وذمّ تاركه وإن لم يلتفت إلى ما يترتب عليه من الفائدة ، فنفسيّة الواجب إنّما هي باعتبار حسنه الذاتي ، سواء ترتب عليه فائدة كالصلاة والصوم والحج وغيرها من الواجبات النفسيّة ، أم لا كالمعرفة بالله تعالى . ولا ينافي إيجابه النفسي الناشئ عن حسنه الذاتي كونه مقدّمة لمطلوب واقعا وهو الأثر المترتّب عليه ، كمعراج المؤمن المترتّب على الواجب النفسي أعني : الصلاة . بخلاف الواجب الغيري ، فإنّ كونه مقدّمة لمطلوب واقعا ينافيه إيجابه النفسي ، لعدم وجود ملاك الواجب النفسي فيه ، وهو كونه معنونا بعنوان حسن في ذاته ، حيث إنّ وجوبه متمحّض في كونه مقدّمة لواجب نفسيّ ، كالوضوء والغسل الواجبين لوجوب الصلاة ، ولكونهما مقدّمة لوجود الصلاة عن طهارة - وإن كانا معنونين بعنوان حسن ذاتا - إلا إنّ مطلوبيتها الذاتية ليست لأجل حسنها الذاتي حتى تتصفا بالوجوب النفسي ، وإنما هي لكونها مقدّمة لمطلوب آخر ، وهو وقوع الصلاة عن طهارة ، فحسنها الذاتي لم يقتض إيجابهما حتى يكون نفسيا ، وما اقتضاه أجنبي عن حسنهما الذاتي ، وإنّما هو كونهما مقدّمة لمطلوب آخر ، فهو غيريّ . وبالجملة : إن كان الموجب لإيجاب الشيء حسنه الذاتي ، فهو نفسيّ ، وإن كان هو كونهما مقدّمة لمطلوب آخر ، فهو غيريّ « 1 » .
هامش
( 1 ) منتهى الدراية في شرح الكفاية ، ج 2 ، ص 236 - 237 مزجا ما بين المتن والشرح ( بتصرف ) .