المسائل المجمع عليها من غير خلاف بين علمائنا ، فما السر في ذلك مع ما قلناه ؟
نقول : لا ريب في أن القرآن الكريم - وإن كان قطعي السند - فيه متشابه ومحكم ( نص على ذلك القرآن نفسه ) ، والمحكم نص وظاهر ، والظاهر منه عام ومطلق . كما لا ريب أيضا : في أنه ورد في كلام النبي والأئمة « عليهم الصلاة والسّلام » ما يخصص كثيرا من عمومات القرآن وما يقيد كثيرا من مطلقاته ، وما يقوم قرينة على صرف جملة من ظواهره . وهذا قطعي لا يشك فيه أحد .
فإن كان الخبر قطعي الصدور ( 1 ) فلا كلام في ذلك ( 2 ) ، وإن كان غير قطعي الصدور ، وقد قام الدليل القطعي على أنه حجة شرعا ، لأنه خبر عادل مثلا ، وكان مضمون الخبر أخص من عموم الآية القرآنية ، فيدور الأمر بين أن نطرح الخبر بمعنى :
أن نكذب راويه ( 3 ) ، وبين أن نتصرف بظاهر القرآن ( 4 ) ، لأنه لا يمكن التصرف بمضمون الخبر ، لأنه نص ( 5 ) أو أظهر ( 6 ) ، ولا بسند القرآن لأنه قطعي ( 7 ) .
ومرجع ذلك : إلى الدوران - في الحقيقة - بين مخالفة الظن بصدق الخبر وبين مخالفة الظن بعموم الآية ( 8 ) . أو فقل : يدور الأمر بين طرح دليل حجية الخبر وبين طرح أصالة العموم ، فأي الدليلين أولى بالطرح ؟ وأيهما أولى بالتقديم ؟
شرح
كقوله تعالى :خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
وقوله تعالى :إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ.
وقوله تعالى :فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً.
وقوله تعالى :يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
( 1 ) بأن كان متواترا .
( 2 ) أي : في تخصيص القرآن بخبر الواحد ، وذلك لأنّه يكون من باب تعارض ظهورين فيقدم الظهور الأظهر ، وهو الخبر لأنّه خاص .
( 3 ) وهذا فيه مخالفة لأصالة صحة السند .
( 4 ) وهذا فيه مخالفة لأصالة العموم .
( 5 ) المراد من نصيّة الخبر : هو بأن تكون الرواية صريحة ، والقرآن ظاهر ، فيقدم النص على الظاهر .
( 6 ) أي : أن الرواية أظهر من ظاهر القرآن ، فتقدم بالأظهرية .
( 7 ) أي : لا يمكن التصرف في سند القرآن ، لأنّه قطعي الصدور من المولى « سبحانه وتعالى » ، فلا يمكن أن نطرحه عند تعارضه مع الرواية بأن نقول : بأنّها ليست صادرة من المولى « سبحانه وتعالى » .
( 8 ) فيتعارض حينئذ صدور الخبر مع ظاهر الآية الكريمة .