وأما التخصيص ( بالمفهوم المخالف ) : فمثاله قوله تعالى :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
، الدال بعمومه على عدم اعتبار كل ظن حتى الظن الحاصل من خبر العادل . وقد وردت آية أخرى هي :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا . . .
الدالة بمفهوم الشرط على جواز الأخذ بخبر غير الفاسق بغير تبين ( 1 ) .
فهل يجوز تخصيص ذلك العام ( 2 ) بهذا المفهوم المخالف ( 3 ) ؟ قد اختلفوا على أقوال : فقد قيل : بتقديم العام ولا يجوز تخصيصه بهذا المفهوم . وقيل : بتقديم المفهوم . وقيل : بعدم تقديم أحدهما على الآخر فيبقى الكلام مجملا . وفصل بعضهم تفصيلات كثيرة يطول الكلام عليها .
( والسر في هذا الخلاف ) : إنه لما كان ظهور المفهوم المخالف ليس من القوة بحيث يبلغ درجة ظهور المنطوق أو المفهوم ، وقع الكلام أنه أقوى من ظهور العام - فيقدم عليه ، أو أن العام أقوى فهو المقدم ، أو أنهما متساويان في درجة الظهور فلا يقدم أحدهما على الآخر ، أو أن ذلك يختلف باختلاف المقامات .
والحق : أن المفهوم لما كان أخص من العام - حسب الفرض - فهو قرينة عرفا على المراد من العام ، والقرينة تقدم على ذي القرينة وتكون مفسرة لما يراد من ذي القرينة ، ولا يعتبر أن يكون ظهورها أقوى من ظهور ذي القرينة . نعم لو فرض أن العام كان نصا ( 4 ) في العموم فإنه يكون هو قرينة على المراد من الجملة ذات المفهوم فلا يكون لها مفهوم حينئذ . وهذا أمر آخر .
شرح
إذا : يخصص عموموَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْبالمفهوم الموافق ، فكأنه قيل : « وأحل لكم ما وراء المذكورات إلا ذات البعل » .
هل يجوز تخصيص العام بالمفهوم المخالف أم لا ؟ ( 1 ) مثاله : كل ماء طاهر ، هذا عام ثم جاءت رواية تقول : « إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء » مفهومه : إذا كان أقل من كر ولاقته نجاسة يتنجس . هل يمكن أن يكون مخصصا لذلك العام أو يبقى العام على عمومه ؟ فيه كلام بين الأعلام . فمن أراد التفصيل فليراجع الكفاية .
( 2 ) وهو : عدم حجية الظن .
( 3 ) وهو : حجية الظن الحاصل من خبر العادل .
( 4 ) يعني : غير قابل للتصرف في ظهوره .