تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وللتعبدي والتوصلي تعريف آخر كان مشهورا عند القدماء . وهو أن التوصلي : ( ما كان الداعي للأمر به معلوما ) ، وفي قباله التعبدي وهو : ( ما لم يعلم الغرض منه ) . وإنما سمي تعبديا : لأن الغرض الداعي للمأمور ليس إلا التعبد بأمر المولى فقط . ولكن التعريف غير صحيح إلا إذا أريد به اصطلاح ثان للتعبدي والتوصلي ، فيراد بالتعبد : التسليم لله تعالى فيما أمر به وإن كان المأمور به توصليا بالمعنى الأوّل ، كما يقولون مثلا : ( نعمل هذا تعبدا ) ويقولون : ( نعمل هذا من باب التعبد ) أي : نعمل هذا من باب التسليم لأمر الله وإن لم نعلم المصلحة فيه .
شرح
الوجوب هل لا بدّ من وجودهما - قبل تشريع الوجوب - بالوجود الخارجي أو بالوجود التصوري ؟ أي : هل لا بدّ من فرض تحقق الحج والاستطاعة وبعد ذلك يشرع المولى الوجوب أو أن اللازم تصور المولى لهما في ذهنه أولا ثم تشريع الوجوب بعد ذلك ؟ والصحيح هو الاحتمال الثاني أي : لا بدّ من تصورهما أولا ثم تشريع الوجوب فإنه إذا تصور المولى الحج والاستطاعة وجّه الوجوب بعد ذلك إلى الحج المشروط بالاستطاعة ، والاحتمال الأول باطل جزما ، إذ كيف يحتمل لابدية وجود الحج أولا ثم صب الوجوب عليه ! ! إنه غير محتمل ، إذ لازمه بقاء المولى منتظرا المكلف متى يأتي بالحج لكي يصب عليه الوجوب ، وإذا لم يأت به يكون الوجوب منتفيا . هذا إضافة إلى لزوم عدم عصيان المكلف لو ترك الحج ، إذ قبل أن يأتي به لا وجوب لكي يكون عاصيا له ، إذا : هذا الاحتمال باطل والأمر بالعكس تماما ، فالوجوب لا بدّ من افتراضه أولا ، وبعد ذلك يوجد الحج خارجا ، فإن المكلف إنما يأتي بالحج لأجل استقرار الوجوب عليه أولا ، فتحقق الحج خارجا هو من نتائج وثمرات الوجوب ومن الأمور المسببة عنه من دون أن يكون هو المحل له ، وإنما المحل هو الحج بوجوده التصوري ، فالمولى إذا تصور الحج صب الوجوب عليه وبعد صبه عليه يقوم المكلف بإيجاده خارجا . والخلاصة : أن تشريع الوجوب وإنشاءه يتوقف على تصور الحج والاستطاعة - التي تسمى بالموضوع - خارجا ، فما لم تتحقق خارجا وتصير فعلية لا يصير الوجوب فعليا بل يبقى إنشائيا . ومن كل هذا البيان سنخرج بهذه النتيجة وهي : أن الحكم على مستوى الجعل والإنشاء يتوقف على تصور كل من الحج والاستطاعة أي : على تصور كل من المتعلق والموضوع ، وأما على مستوى المجعول - أي : على مستوى الحكم الفعلي - فهو يتوقف على تحقق الموضوع خارجا أي : تحقق الاستطاعة ، ومن هنا قيل : أن فعلية الحكم منوطة بفعلية موضوعه بخلاف تشريعه وجعله فإنه منوط بتصور موضوعه ومتعلقه ، وبهذا تنتهي المقدمة بمطالبها الثلاثة . وبعد هذا نعود إلى الجواب وحاصله : أن البرهان على استحالة أخذ قصد الامتثال يرجع إلى لزوم صيرورة قصد الامتثال متقدما ومتأخرا وهو باطل ، ولكنا نقول : ليس هو باطلا ، إذ تأخر قصد الامتثال عن الأمر وإن كان أمرا مسلما بيد أن المتأخر عن الأمر هو قصد الأمر بوجوده الخارجي ، أي : إن