تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وهناك واجبات أخرى تسمى ( التوصليات ) ، وهي التي تسقط أوامرها بمجرد وجودها وإن لم يقصد بها القربة ، كإنقاذ الغريق وأداء الدين ودفن الميت وتطهير الثوب والبدن للصلاة ، ونحو ذلك .
شرح
من وجود الأمر أولا حتى يمكن فرض قصد امتثاله ، فإنه من دون وجود الأمر فأي شيء يقصد المكلف امتثاله ؟ وإذا كان قصد الامتثال متأخرا عن الأمر وموقوفا عليه وفي طوله نقول : لو كان قصد امتثال الأمر مأخوذا في متعلق الأمر - بحيث كان الأمر منصبا على الفعل المقيد بقصد الامتثال - لزم تقدم قصد الامتثال على وجود الأمر ، لأن قصد الامتثال حينما يؤخذ في متعلق الأمر يصير معروضا ومركزا للأمر ، ومن الواضح : أن معروض الشيء متقدم عليه ، فزيد إذا كان معروضا للقيام فلا بدّ من فرض تقدمه على القيام كي يعرض عليه . وباختصار : إن قصد امتثال الأمر بما أنه يتوقف على وجود الأمر فهو متأخر عن الأمر ، فلو كان مأخوذا في متعلق الأمر صار متقدما على الأمر ، فيلزم صيرورة الامتثال متقدما على الأمر ومتأخرا عنه وهو مستحيل . جواب البرهان الأوّل : والجواب يتوقف على استعراض مقدمة نذكر فيها ثلاثة مطالب : 1 - يوجد مصطلحان أصوليان هما : « الموضوع والمتعلق » ، ولأجل التعرف عليهما نذكر المثال التالي : لو فرض أن المولى قال : يجب الحج على المستطيع كان الوجوب منصبا على شيئين هما الحج والمستطيع . ولو دققنا في الحج والاستطاعة لوجدنا فارقا بينهما وهو : إن الاستطاعة لا يدعو الوجوب إلى تحصيلها ولا يطلب منا السعي نحو إيجادها بل يقول : متى حصلت صدفة واتفاقا وجب الحج ، وهذا بخلافه بالنسبة إلى الحج ، فإن الوجوب يدعو إليه ويطلب إيجاده ولا يقول لو فرض صدفة تحقق الحج وجب ، إذا اتضح هذا نقول : إن مثل الحج الذي يدعو إلى إيجاده يصطلح عليه بالمتعلق ، بينما مثل الاستطاعة يصطلح عليها بالموضوع ، فالمتعلق مصطلح يطلق على ما يدعو التكليف إلى إيجاده أو تركه ، بينما الموضوع مصطلح يطلق على ما لا يدعو إليه التكليف بل يكون ثابتا على تقدير حصوله صدفة . 2 - إن للحكم مرحلتين : مرحلة الجعل ومرحلة المجعول ، فإن كل حكم يمر بمرحلتين ، فأولا : ينشئه المولى ويشرعه بمثل لسانوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . . .وثانيا : فعليا وذلك عند تحقق الاستطاعة - الموضوع - خارجا ، فإنشاؤه وتشريعه يسمى بالجعل ، وإذا صار الحكم فعليا بسبب فعلية موضوعه سمي بالمجعول . 3 - إذا أراد المولى تشريع حكم كوجوب الحج على المستطيع فلا يمكنه ذلك إلا إذا فرض وجود الحج ووجود الاستطاعة ، فإن الوجوب عرض من الأعراض كالسواد والبياض والقيام ، فكما أن هذه تحتاج إلى وجود محل مسبق لتطرأ عليه كذلك الحال في الوجوب ، فإن المولى لا يمكنه تشريعه إلا إذا كان محله منذ البدء ثابتا ، فإن ثبوت الوجوب بلا محل أمر مستحيل ، وهذا مطلب واضح ولا يحتاج إلى زيادة بيان ، وإنما الذي لا بدّ من الوقفة القصيرة عنده هو : إن الحج والاستطاعة اللذين هما محل