أ - منشأ الخلاف وتحريره
إن منشأ الخلاف هنا هو الخلاف في إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر - كالصلاة مثلا - قيدا له على نحو الجزء أو الشرط ، على وجه يكون المأمور به المتعلق للآمر هو الصلاة المأتي بها بقصد القربة بهذا القيد ، كقيد الطهارة فيها ؛ إذ يكون المأمور به الصلاة عن طهارة لا الصلاة المجردة عن هذا القيد من حيث هي هي .
فمن قال بإمكان أخذ هذا القيد - وهو قصد القربة - كان مقتضى الأصل عنده التوصلية ، إلا إذا دل دليل خاص على التعبدية ، كسائر القيود الأخرى ، لما عرفت أن إطلاق كلام المولى حجة يجب الأخذ به ما لم يثبت التقييد ، فعند الشك في اعتبار قيد يمكن أخذه في المأمور به ، فالمرجع ( أصالة الإطلاق ) لنفي اعتبار ذلك القيد .
ومن قال باستحالة أخذ قيد قصد القربة : فليس له التمسك بالإطلاق ، لأن الإطلاق ليس إلا عبارة عن عدم التقييد فيما من شأنه التقييد ، لأن التقابل بينهما من باب تقابل العدم والملكة ( الملكة هي التقييد . وعدمها الإطلاق ) . وإذا استحالت الملكة استحال عدمها بما هو عدم ملكة ، لا بما هو عدم مطلق ( 1 ) . وهذا واضح لأنه إذا كان التقييد في لسان الدليل لا يستكشف منه إرادة الإطلاق ، فإن عدم التقييد يجوز أن يكون لاستحالة التقييد ، ويجوز أن يكون لعدم إرادة التقييد ، ولا طريق لإثبات الثاني بمجرد عدم ذكر القيد وحده .
شرح
( 1 ) وفي شرح هذه العبارة نقول :
الوجود ينقسم إلى قسمين :
1 - وجود خاص ، ويقابله عدم خاص .
2 - وجود مطلق ، ويقابله عدم مطلق .
ومثال الأوّل : البصر والعمى .
ومثال الثّاني : البصر واللابصر .
فإذا استحال البصر بما هو وجود خاص ، وبما هو ملكة عن شيء استحال العمى الذي هو عدم خاص ، ولكن استحالته لا تعني استحالة العدم المطلق ، وهو عدم البصر .
ومثال آخر على الوجود المطلق والعدم المطلق هو : حينما تقول : الوجود خير من العدم المراد من الوجود هو مطلق الوجود خير من مطلق العدم . وبعبارة أخرى : الوجود إذا نسبته إلى ماهية ما صار وجودا خاصا كقولك : وجود هذا الإنسان ، أي : وجود هذه الحصة الخاصة ، ويقابله العدم الخاص ، وهو عدم الإنسان ، وتارة تأخذ الوجود من دون أن تنسبه إلى ماهية فيكون وجودا مطلقا محفوظا في جميع الماهيات فيقابله عدم مطلق .