شرح
الترك - أمر عدمي ، والأمر العدمي ليس شيئا حتى يحتاج إلى بيان بل هو عدم شيء ، وبكلمة أخرى :
الأمر العدمي ليس شيئا زائدا على الجزء الأول المشترك - إذ لو كان زيادة لما كان عدما بل وجودا - فلا يحتاج إلى بيان زائد .
ويمكن صياغة المقدمة الثانية بعبارة أخرى بأن نقول : إذا كان عندنا كلام - مثل : أمر اغتسل - يدل على حيثية مشتركة هي طلب الفعل ، ودار أمرها بين أن يكون المقصود منها الطلب الوجوبي الذي هو حقيقة مائزها أمر عدمي ، وبين أن يكون المقصود منها الطلب الاستحبابي الذي هو حقيقة مائزها أمر وجودي تعين الحمل على الطلب الوجوبي ، لأن الحيثية الأولى للطلب الوجوبي وهي أصل طلب الفعل يفي بها أمر اغتسل مثلا ، والحيثية الثانية لا تحتاج إلى بيان زائد لكونها أمرا عدميا . هذه حصيلة البيان الثاني .
ويرده : إن عدم الترخيص في الترك الذي هو الحيثية الثانية في الوجوب وإن كان أمرا عدميا إلا أنه ليس كل أمر عدمي لا يراه العرف زيادة بل بعض الأعدام يراها العرف زيادة تحتاج إلى بيان كما هو الحال في عدم الترخيص في المقام ، فإن العرف يراه شيئا آخر زائدا على طلب الفعل وبحاجة إلى بيان زائد ؛ بشهادة أن العرف حينما نسأله عن حقيقة الوجوب يجيبنا : أنه عبارة عن جزءين : طلب الفعل وعدم الترخيص في الترك ، فلو كان عدم الترخيص ليس شيئا زائدا على طلب الفعل فمن المناسب تفسير الوجوب بطلب الفعل فقط .
هذا مضافا إلى أن عدم الترخيص لو لم يكن شيئا زائدا ومغايرا لطلب الفعل يلزم كون النسبة بين الوجوب والاستحباب كنسبة المركب من جزء واحد إلى المركب من جزءين أي : كنسبة الأقل إلى الأكثر - كالحيوان إلى الإنسان فإنه يعد عرفا أقل والإنسان أكثر لتركبه من حيوانية وناطقية - والحال :
أن ذلك مخالف للوجدان العرفي ، فإنه يرى النسبة بين الوجوب والاستحباب نسبة المباين إلى المباين الأقل إلى الأكثر .
البيان الثالث : أن صيغة الأمر تدل على الإرسال ، فصيغة ادرس مثلا تدل على الإرسال للدرس والدفع إليه ، نظير إرسال الكرة للهدف ، فكلاهما إرسال إلا أن هذا إرسال إلى الدرس وذلك إرسال إلى الهدف .
ثم أن الإرسال يلازم سدّ باب العودة والمخالفة ، فكما أن مرسل الكرة بإرسال لها يكون قد سد عليها باب الرجوع والعودة - وإلا لما كان إرساله إرسالا - فكذلك الإرسال إلى الدرس يلازم سدّ باب المخالفة وعدم التحرك إلى الدرس . وبعد هذا نقول : إن الإرسال الملازم لسد باب المخالفة يتناسب مع أي حكم فهل يتناسب مع الوجوب أو يتناسب مع الاستحباب ؟ لا إشكال في تناسبه مع الوجوب ، إذ في الوجوب يكون باب المخالفة مسدودا بخلافه في الاستحباب فإنه ليس مسدودا .
ويبقى علينا بعد هذا أن نتعرف على الطريق لإثبات أن الحكم المقصود للمولى هو الوجوب دون الاستحباب ، فهل أن مناسبة الإرسال للوجوب تكفي وحدها لتعيّن الوجوب أو لا ؟ والجواب : إن الإطلاق هو الذي يعين كون المقصود للمولى هو الوجوب دون الاستحباب ، إذ لو كان مراد المولى الحكم الذي لا يتناسب مع الإرسال لزمه بيان ذلك ، فسكوته عن بيانه دليل على أن مقصوده هو