شرح
لأن لازمه أن الطلب بمجرد صدوره يحكم العقل بالوجوب ما دام لم يتصل به الترخيص ، بحيث لو صدر الترخيص بعد يوم أو يومين رفض من جهة منافاته لحكم العقل بالوجوب ، مع أنه من الأمور الواضحة أن الترخيص يقبل ولا يرفض حتى لو صدر بعد يوم أو يومين ويحكم بعدم الوجوب .
ب - أن يراد : لو صدر الطلب ولم يصدر الترخيص المتصل ولا المنفصل : فالعقل يحكم بالوجوب .
وهذا الاحتمال باطل أيضا إذ لازمه أن لا يحكم العقل بالوجوب أبدا ؛ فإنه في كل آن يحتمل العقل صدور الترخيص الآن أو فيما بعد .
ج - أن يراد : لو صدر الطلب ولم يعلم المكلف بالترخيص : فالعقل يحكم بالوجوب ، وعلى أساس هذا الاحتمال : يحكم العقل بالوجوب وإن احتمل صدور الترخيص بعد مدة لأنه بالتالي لا يعلم بالترخيص ، ومع عدم العلم بالترخيص يحكم بالوجوب . وهذا الاحتمال باطل أيضا إذا كلامنا في الوجوب الواقعي ، وأنه ما هي النكتة لفهم الوجوب الواقعي هل هي الوضع أو العقل أو شيء آخر ، وواضح : إن الوجوب الواقعي لا يناط بالعلم ولا بعدم العلم وإنما الذي يناط بذلك تنجز الوجوب ، فالوجوب يتنجز عند عدم العلم بالترخيص ولا يتنجز عند العلم بالترخيص ، والمفروض : أن كلامنا ليس في تنجز الوجوب بل في الوجوب الواقعي .
والخلاصة : إن في المراد من عدم الترخيص ثلاثة احتمالات كلها باطلة فيثبت أن أصل هذا الاتجاه باطل .
القول الثالث : أن السبب لدلالة الأمر على الوجوب هو الإطلاق ومقدمات الحكمة ، ويمكن توضيح ذلك بأحد بيانات ثلاثة :
البيان الأول : وهذا البيان ينسب للشيخ العراقي في بدائع الأفكار ص 214 ، ومحصله ما يلي : ويمكن منهجة هذا البيان ضمن النقاط التالية :
أ - إن الوجوب عبارة عن إرادة الشيء إرادة شديدة ، بينما الاستحباب عبارة عن إرادة الشيء إرادة ضعيفة .
ب - إن شدة الإرادة ليست إلا نفس الإرادة نظير شدة السواد فإنها بمعنى : وجود سواد أكثر ، وأما ضعف الإرادة فهو عبارة عن عدم الإرادة نظير ضعف السواد ، فإنه بمعنى : عدم السواد الزائد ، وبكلمة أخرى : الإرادة الشديدة مركبة من جزءين : إرادة وشدة ، وحيث أن الشدة عبارة أخرى عن نفس الإرادة فالإرادة الشديدة إذا كلها إرادة وما به الامتياز عين ما به الاشتراك ، وهذا بخلاف الإرادة الضعيفة فإنها مركبة من جزءين : إرادة وضعف ، وحيث أن الضعف عبارة عن عدم الإرادة فالإرادة الضعيفة إذا مركبة من إرادة وعدم إرادة وليست كلها إرادة ، إذ ما به الامتياز مغاير لما به الاشتراك ، فما به الاشتراك هو الإرادة بينما ما به الامتياز هو عدم الإرادة .
ج - إن الذي يحتاج إلى بيان أكثر هو أن الإرادة الضعيفة تحتاج إلى دالين : دال على الإرادة ودال آخر على عدم الإرادة ، بينما الإرادة الشديدة لا تحتاج إلى دالين بل تكتفي بدال واحد يدل على أصل الإرادة ، لأن المفروض : أنها إرادة لا غير .
والنتيجة من خلال هذه النقاط الثلاث : أن الأمر يدل على الوجوب ؛ إذ الأمر يدل على الإرادة فقط ،