تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
شرح
وحيث أن الوجوب هو إرادة خالصة فيكون هو المدلول للأمر . هذه حصيلة البيان الأول . ويرده : ما ذكره جماعة : من أن مقدمات الحكمة مقدمات عرفية ، والعرف لا يطبقها في المجالات التي تستدعي افتراضات دقيقة غير عرفية - كما هو الحال في هذا البيان - فإنه يشتمل على افتراضات غير عرفية مثل ما ذكر في النقطة الثانية : من أن شدة الإرادة بخلاف ضعف الإرادة فإنه عدم إرادة ، فيكون ما به الامتياز عين ما به الاشتراك في الإرادة الشديدة دون الإرادة الضعيفة . البيان الثاني : وهو مركب من مقدمتين : 1 - إن حقيقة الوجوب عبارة عن طلب الفعل ولكن ليس هو فقط ؛ إذ طلب الفعل ثابت في المستحبات أيضا فلا بدّ من فرض ضميمة ، وفي الضميمة احتمالان : أ - أن تكون عبارة عن النهي بمعنى : أن الوجوب عبارة عن طلب الفعل مع إضافة قيد آخر وهو النهي ، فهو - الوجوب - طلب الفعل مع النهي عن الترك . وهذا الاحتمال باطل فإن النهي كما هو ثابت في الوجوب ثابت في الكراهة أيضا ، فإن الكراهة تشتمل على النهي أيضا ، ومع ثبوته في الكراهة يكون النهي جنسا شاملا للوجوب والكراهة ، وإذا كان جنسا فلا يمكن أن يكون هو الضميمة المنضمة إلى طلب الفعل ؛ وإلا يلزم تركب حقيقة الوجوب من جنسين هما طلب الفعل والنهي ، وواضح إن : حقيقة الشيء لا تتركب من جنسين بل من جنس وفصل . ولعل قائلا يقول : إن الضميمة لو جعلناها عبارة عن أصل النهي فالبيان المذكور تام ؛ لأن النهي جنس صادق على الوجوب والكراهة معا ، وحقيقة الشيء لا تتركب من جنسين ، ولكن لم لا نفرض الضميمة هي النهي عن الترك ، فإن النهي المضاف إلى الترك يختص بالوجوب ولا يشمل الكراهة . والجواب : إن أصل النهي لو كان جنسا فبإضافته إلى الترك لا يصير فصلا بل يصير جنسا مقيدا ، ومن الواضح : إن حقيقة الشيء لا تتركب من جنس وجنس مقيد بل من جنس وفصل . وهذا تطويل لا داعي له ، فبالإمكان أن يقال : إن النهي عن الترك ليس هو الضميمة لأنه ثابت في المستحبات أيضا ، وهذا واضح وأخصر وأمتن . ب - أن تكون الضميمة عبارة عن عدم الترخيص في الترك ، فالوجوب عبارة عن طلب الفعل مع عدم الترخيص في الترك ، بخلاف الاستحباب فإنه طلب الفعل مع الترخيص في الترك . وهذا الاحتمال هو الصحيح . إذا : الوجوب مركب من جزءين أحدهما : وجودي وهو طلب الفعل ، وثانيهما : عدمي وهو عدم الترخيص في الترك ، بينما الاستحباب مركب من جزءين كلاهما وجودي . 2 - وبعد هذا نسأل : أيهما يحتاج إلى بيان أكثر ، هل الوجوب يحتاج إلى بيان أكثر أو الاستحباب ؟ الصحيح : أن الاستحباب يحتاج إلى بيان أكبر إذ هو مركب من جزءين كلاهما وجودي ، وكل أمر وجودي يحتاج إلى بيان يدل عليه ، فالاستحباب إذا : يحتاج إلى بيانين : بيان للجزء المشترك وهو طلب الفعل ، وبيان للجزء الثاني وهو الترخيص في الترك ، وهذا بخلاف الوجوب فإنه يحتاج إلى بيان واحد يبين الجزء المشترك ولا يحتاج إلى بيان آخر للجزء الثاني ، فإن الجزء الثاني - وهو عدم الترخيص في