وبالجملة : أنّ غير أبي حنيفة يدّعي أنّ الكلام المشتمل على الاستثناء يتضمّن حكمين : إيجابي وسلبي ، فالاستثناء من الاثبات يتضمّن الحكم على القوم بالقيام ، وعلى زيد بعدم القيام ، فيكون قوله : إلّا زيد ، بمنزلة قوله إنّ زيدا لم يقم ، فيكون دليلا اجتهاديا على مخالفة ما بعد « إلّا » لما قبلها في الحكم . وهكذا الحال بالعكس في الاستثناء من النفي . وأبو حنيفة يدّعي سكوت « إلّا » عن كلّ شيء سوى إخراج ما بعدها عن الحكم الوارد على ما قبلها .
وحينئذ يتعيّن الجواب عنه أوّلا : بأنّ تتبّع موارد استعمال أهل اللسان ، وانسباق أذهانهم إلى ما هو أزيد من السكوت يشهد بخلاف ما يدّعيه ، فإنّهم يفهمون من الاستثناء الحكم على ما بعد « إلّا » بخلاف الحكم الثابت لما قبلها .
وثانيا : أنّ اخراج زيد من الحكم في مقام جعل الحكم الكلّي يلزمه أن يكون زيد المذكور محكوما بنقيض الحكم السابق ، إذ ليس المقصود هو شخص الحكم السابق بل هو سنخه ، ومن الواضح أنّ إخراج الشيء من سنخ الحكم يلزمه الحكم عليه بنقيض الحكم السابق ، فإنّ الاخراج من إثبات سنخ الوجوب يلزمه الحكم على ذلك الخارج بعدم الوجوب ، كما أنّ الاخراج من نفي سنخ الوجوب يلزمه الحكم على ذلك الخارج بثبوت ذلك السنخ في حقّه . ولعلّ من قال إنّ دلالة الاستثناء على مخالفة ما بعد الأداة لما قبلها في الحكم إنّما يكون بالمفهوم لا المنطوق كان نظره إلى هذه الجهة ، أعني أنّ الاخراج من سنخ الحكم السابق يلزمه الحكم على الخارج بنقيض الحكم السابق ، فراجع وتأمّل .
وممّا ذكرناه في ردّه أوّلا يتّضح لك أنّ الاستدلال على المدّعى بكلمة التوحيد في محلّه ، حيث إنّ مرجعه إلى أنّ أهل اللسان يفهمون من قوله لا إله إلّا اللّه أنّ ما بعد « إلّا » محكوم بنقيض الحكم السابق ، الذي هو في المقام نفي
أصول الفقه — صفحة 76
مساهمون: الشيخ حسين الحلي
ص٧٦