كلّما جعل شيء علّة لأمر لا بدّ من أن يكون هو أمرا خارجيّا غير مقيّد به ذات الموضوع ، كما اعترف به شيخنا قدّس سرّه في القضيّة الشرطيّة الّتي هي المساوق للعليّة « 1 » ، وقد أشرنا نحن إلى سرّه .
إذا ظهر ذلك فنقول : لا فرق فيه بين العلل اللفظيّة والعقليّة ، بمعنى : كما أنّ العلّة الواقعة في حيّز الدليل اللفظي لا تقتضي التقييد ، فهكذا في علل الأحكام العقليّة ، حيث إنّ المناط المذكور متحقّق فيها أيضا ، فإذا حكم العقل بقبح الصدق الضارّ - مثلا - أو حسن الكذب النافع ، فموضوع حكمه الّذي هو الصدق والكذب غير مقيّد بالعلّتين ، وإنّما هما مقدّمتان « 2 » لهما ، وقد أشرنا إلى أنّه يستحيل أن تتقيّد المقدّمة بذيها ، فذات الصدق والكذب لا يتقيّدان بالأمرين ، بل إنّما يوجبان ضيقا في ناحية الحكم ، كما أوضحناه في المثال .
فالحاصل : أنّه كلّ ما يلتزم به شيخنا قدّس سرّه فيما لو كان الدليل الشرعي مثل « الماء إذا تغيّر » . . إلى آخره ، حيث يجري فيه الاستصحاب ولو بعد زوال التغيّر ؛ فهكذا لا بدّ من أن يلتزم به في العلّة العقليّة من أنّها لمّا كانت خارجة عن الموضوع فعند زوالها لا يوجب تغيّرا في نفس ما هو الموضوع ، فالشكّ في بقاء العلّة وعدمها لا يرجع إلى الشكّ في الموضوع ، بل إنّما هو في الحكم والموضوع في
هامش
( 1 ) فرائد الأصول : 1 / 257 - 260 .
( 2 ) والأمر والنهي العقليّان المتعلّق بهما ، أي حكم العقل بالحسن والقبح وإن كان يصير على هذا مقدّميّا ، إلّا أنّه لا محذور فيه إذ أوّلا أنّ هذه المقدّمة ليست من المقدّمات المعروفة ، بل إنما هي من قبيل المقدّمة للغاية والغرض من مطلق الأفعال الّتي لا ينافي كون ذيها نفسيّا صوريّا ، وثانيا مع التسليم لا يضرّ شيئا ؛ إذ للعقل أيضا أوامر مقدّميّة ، كما لا يخفى ؛ « منه رحمه اللّه » .