لا يلزم الحرج ولا رفع اليد عن العلم زائدا على ما اضطرّ إليه ، فلمّا انتهى الأمر إلى هنا من عدم المرجّح لاختيار أحد الأطراف ، فلا ريب أنّ العقل يحكم بالتخيير .
هذا كلّه فيما لو كان المانع عن الاحتياط الكلّي هو الحرج المخلّ بالنظام .
وأمّا لو لم يصل الحرج بهذا الحدّ ، بل كان مطلق العسر المرفوع من قبل الشرع بقوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
« 1 » وغير ذلك من الأدلّة ؛ فمبنى صاحب « الكفاية » قدّس سرّه جريان قاعدة الحرج في المقام على أن يكون [ المراد ] من الحرج المرفوع مطلق الحرج الناشئ من قبل حكم الشرع ، ولو لم يكن الحكم بنفسه حرجيّا ، بل ولو كان امتثاله أيضا موجبا للوقوع في الحرج والعسر أيضا ، مرفوع « 2 » .
وأمّا لو قلنا بأنّ المراد نفي الحكم الحرجي فلا وجه لجريانها ، ضرورة أنّ الجهل بالحكم الشرعي المقتضي للاحتياط بحكم العقل أوجب العسر والحرج فهما نشئا من جهة امتثال الحكم الشرعي ووجوبه بحكم العقل ، وإلّا فنفس الحكم الذي ليس متعلّقه إلّا صلاة الجمعة فقط ، أو الظهر كذلك لا حرج فيه أبدا .
ولكن يمكن أن يقال أوّلا بأنّه على هذا التقدير - أي الاحتمال الأخير في معنى القاعدة أيضا - يصحّ رفع وجوب الاحتياط ، وذلك لأنّه لا إشكال أنّ للشارع التصرّف في ما يكون أمر وضعه ورفعه بيده . ولو كان ذلك من الأمور العقليّة برفع منشأها أو وضعه ، كما قالوا ذلك في باب استصحاب الأمور العقليّة مثل الجزئيّة والشرطيّة وغيرها ، فإنّها أمور عقليّة ، إلّا أنّه لما ينتهي أمرها رفعا
هامش
( 1 ) البقرة ( 2 ) : 185 .
( 2 ) كفاية الأصول : 313 .