هذا في عالم الثبوت ؛ كذلك في عالم الإثبات ؛ فلو صدر من حكيم كلام كذلك ، بأن صدر عنه حكم على موضوع متّصف بالصفة ، وعلمنا بأنّه لو كان مثل هذا الحكم ثابتا لموضوع آخر متّحدا ذاتا مع الموضوع الأوّل لا تكون علّة الحكم إلّا ذاتهما ، ففي ذلك لا بدّ أن يحمل الموضوع الأوّل بكونه بوصفه العنواني علّة للحكم صونا لكلام الحكيم عن اللغويّة .
مع ما أفادوا في تقريب مفهوم الوصف من أنّ التعليل بالذاتي مع كونه قابلا للعليّة أولى - بل المتعيّن - من التعليل بالعرضي ، لتقدّم رتبة الذات على العرض ، كما لا يخفى .
إذا عرفت ذلك فنقول في الآية الشريفة : ظاهرها يدلّ على كون علّة وجوب التبيّن هي خبر الفاسق ، مع أنّا نعلم أنّه لو كان التفتيش واجبا عن خبر العادل أيضا لا تكون علّة وجوب التبيّن إلّا ذات الخبر ، لعدم خروج المخبر بخبر الواحد إلّا أحدهما « 1 » ، مع أنّه لا مقتضي لأن يكون خصوص وصف العدالة مقتضيا لوجوب التبيّن يقينا ، بل صفة الفسق هي الّتي تكون قابلة لصيرورته كذلك ، لما عرفت من مناسبة الحكم والموضوع .
فعلى ذلك فلمّا رأينا أنّه جعل خبر الفاسق معلولا لوجوب التبيّن ، فلا يحتمل إلّا أن تكون العلّة هي وصف الفسق لا ذات الخبر الّذي قد يكون مخبره عادلا ، وقد يكون فاسقا ؛ لما ذكر من أنّ التعليل بالعرضي فيما كان الذاتي قابلا له
هامش
( 1 ) ولا يعقل كون الصفتين المتضادّتين بما هما كذلك علّة للحكم ، متّحدتين فلو جعلتا موضوعا يستكشف أنّ الذات موضوع وعلّة لا الوصفين ، فإذا لم يمكن كونهما علّة ولم تكن فائدة أخرى لذكر الوصف فلا بدّ أن يحمل كونهما عنوانا مشير ، « منه رحمه اللّه » .