أنّها منصرفة بقرينة التوبيخ الّذي في الآية الأخرى
إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
« 1 » أو في صدر نفس هذه الآية قوله تعالى :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ *
« 2 » عن الظنون الّتي استقرّ بناء العقلاء على حجيّتها ، بمعنى أنّها مؤكّدة للردع للظنون الّتي يوبّخ عند العقلاء اتّباعها ، وهو اتّباع الظنون في أصول الدين وغيره ممّا لم يستقرّ بناء العقلاء على العمل بالظنّ لا مطلق الظنّ .
مع أنّ أساس أمور عيش الناس إنّما يكون على اتّباع الظنّ في الأمور العاديّة ، وهذا هو المسمّى بالعلم العادي ، وقلّما يتّفق لهم العلم الحقيقي في أمورهم فكيف يمكن أن يكون التوبيخ راجعا إلى مطلق هذه الأمور ، هكذا أفاد دام ظلّه .
ولكن دعوى الانصراف بعيدة ومحتاجة إلى شاهد واف ، ومن أين يثبت أن التوبيخ ليس راجعا إلى اتّباعهم الظنّ في الأمور الدينيّة اصوليّا كانت أم فروعيّا ؟
واستقرار بناء العقلاء على اتّباعهم الظنّ في الأمور العاديّة وصحّة عملهم في ذلك لا يثبت ولا يلازم تصويبهم في عملهم بالظنّ حتّى في الأمور الدينيّة .
فيمكن أن يجاب عن الآية بناء على المعنى الثاني بأنّه وإن كان حكما اقتضائيّا إلّا أنّه لا ينافي ذلك أن يثبت من الخارج مقتض أقوى ممّا تقتضيه ذات الظنّ فيرجّح عليه ، كما في جميع الأحكام الاقتضائيّة من الحرمة والوجوب الّتي قد يرفع اقتضاءها المقتضي الخارجي أقوى ممّا يقتضيها بعناوينها الأوّلية مثل قاعدة الضرر والحرج ، كذلك اقتضاء الظنّ عدم الطريقيّة ، وإن كان على الإطلاق بمعنى أنّه ثابت له ولو أن يعرضه عنوان آخر إلّا أنّه إذا كان العنوان الآخر أقوى
هامش
( 1 ) البقرة ( 2 ) : 78 .
( 2 ) الأنعام ( 6 ) : 116 ، يونس ( 10 ) : 66 .