كالآية الأولى ، بمعنى أنّها لا تنافي ما يدلّ على حجيّة الظنّ ولا تعارضه ، ضرورة أنّها على ذلك تصير كالأحكام الإباحيّة الّتي نشأت عن لا اقتضاء محض في ذوات موضوعاتها ، بحيث لا تنافي أن يثبت مقتض خارجيّ كالنذر وشبهه ، ويرجّح أحد طرفي الفعل والترك الّذي كانت الذات بالنسبة إليهما على السويّة في الاقتضاء ، ومعناه عدم كونها مقتضية لأحدهما .
وكذلك في مسألة طريقيّة الظنّ وحجيّته ، فإنّها وإن كانت في حدّ نفسها لا تقتضي الطريقيّة إلّا أنّها بقرينة « لا يغني » لا تقتضي عدمها [ أيضا ] ، وهذا لا ينافي أن يجيء الاقتضاء من الخارج وتقتضي المصلحة حجيّته .
وإن كانت دالّة على الثاني ، فلمّا عرفت من أنّ فيه اقتضاء العدم ، فتكون ردعا عمّن اكتفى به ، فتكون دليلا على عدم حجيّة الظنّ ، بل يبطل ما دلّ على حجيّته .
ثمّ إنّه لا تبعد الدعوى بأنّها ظاهرة في المعنى الأوّل ، فتكون من قبيل أن يقال : إنّ الظنّ لا يغني عن الحرمة - مثلا - فكما أنّ مثل هذه القضيّة ظاهرة في أنّ الظنّ في حدّ نفسه لا يقتضي الحرمة ، ولا يغني عنها . فكذلك ظاهر قوله تعالى :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي
الآية ، يدلّ [ على ] أنّ طبيعة الظنّ لا تقتضي الطريقيّة ، فإذا صارت ظاهرة في هذا المعنى فقد أشرنا إلى أنّها لا تنافي أن يثبت للظنّ من الخارج مقتضى الإغناء ومصلحة الطريقيّة من بناء العقلاء في بعض أفراده وإمضائه الشارع وغير ذلك من المقتضيات .
ولو سلّمنا كون الآية دالّة على المعنى الثاني وظاهرة فيه ، فنقول : لا إشكال