استحقاق العقوبة ويصير ذلك موجبا لأن يكون إطلاق الحجّة على نفس العلم بالعرض والمجاز ومن البديهة أيضا أنّ ذلك خلاف الوجدان ، فإنّ العقل إذا يتأمّل في العلم يرى نفس انكشافه منشأ لهذه الآثار بلا أن يتأمّل في ذلك ، ويرى أوّلا شيئا آخر ، وهو الحجيّة ، ثمّ تعرضها هذه الآثار ، وليس حال حجيّة الأمارة إلّا حال حجيّة العلم المنتزعة من نفس الأمر بالعمل بالطريق وإيجاب الإطاعة .
ولا يتوهّم أنّه لمّا كانت الحجيّة فيه ذاتيّة ، فلذلك لا يحتاج ترتيب الآثار إلى جعل الحجيّة ، بخلاف حجيّة الأمارات ، لأنّه مضافا إلى أنّ الحجيّة ليست لها مفاهيم متعدّدة قد أشرنا إلى أنّه إن كانت أمرا خارجا عن الكاشف والطريق وعارضا عليهما ، فلا بدّ أن يوجد ذلك في العلم أيضا ، ولو أن يكون ذاتيّا له ، نظير الوقفيّة الذاتيّة للمسجد الحرام المانعة عن البيع والموجبة لحرمته ، بخلاف وقفيّة سائر المساجد ، فإنّ نفسها أيضا أمر عرضيّ يصير محلّا للآثار المترتّبة على المسجد الحرام .
وبالجملة ؛ فليست الحجيّة أوّلا أمرا اعتباريّا محضا منتزعا من الأوامر الكاشفة عن الإرادة في ظرف الجهل وتشريعها عين تكوينها .
وأمّا أن يكون إرشادا إلى الجعل السابق ، فإمّا أن يكون ناظرا إلى تتميم الكشف والأمر بالعمل وجعل العلم والحجّة - كما ذهب إليه بعض - « 1 » فنقول : لا ريب أنّ المراد من جعل العلم تشريعه ، والأمر بالمعاملة مع الأمارات معاملة العلم وترتيب آثار العلم عليه ، لأنّ الشارع يرتّب ذلك عليه - مثلا - ولا يعقل التنزيل والتشريع إلّا بلحاظ الأثر ، لأنّه في الحقيقة تشبيه ، ولا بدّ فيه من وجه الشبه .
هامش
( 1 ) لاحظ ! حقائق الأصول : 1 / 188 و 189 ، أجود التقريرات : 1 / 132 .