فمن هنا ظهر بطلان الأقوال الأخر من الانتزاعيّة مطلقا وعدمها مطلقا ، والتفصيل بين العبادات والمعاملات الّذي منشؤه ما أشرنا إليه من أنّ الصحّة والفساد في المعاملات لمّا كانت بمعنى ترتّب الأثر وهو أمر موقوف على حكم الشارع به ، بخلاف العبادات الّتي معناهما فيها حصول الامتثال وعدمه فتكونان في الأولى مجعولتين ، وفي الثانية أصيلتين .
وفيه ؛ قد عرفت أنّ حقيقة الصحّة ليست إلّا انطباق الفرد مع الكلّي الّذي تعلّق به الأمر ، سواء كان عبادة أم معاملة ، وترتّب الأثر وعدمه من لوازم هذا المعنى ، ولا فرق بينهما من هذه الجهة أصلا ، بل في المعاملات أيضا بمعنى الامتثال ، حيث إنّ العمل بمقتضى العقد من آثار الصحّة والانطباق المذكور ، كما أنّ الصحّة في العبادات أيضا بمعنى ترتّب الأثر .
وبالجملة ؛ ما ذكر وجها للتفصيل ليس بفارق أصلا ، بل الصحّة والفساد في كلا البابين أمر واقعي أثر لأمر تكويني ، وهو الانطباق وعدمه ، كما لا يخفى .
الأمر الرابع : لا إشكال في أنّه ليس في المسألة أصل يعوّل عليه من ناحية نفس النهي إذا لم يثبت اقتضاؤه الفساد وعدمه ، فحينئذ لا بدّ وأن يرجع إلى أصل آخر في كلّ مورد ولا اختصاص للبحث بما إذا كان مقتضى الصحّة مع قطع النظر عن النهي موجودا من جهة عموم أو إطلاق ، وإن كان يظهر ذلك من كلام المحقّق القمّي رحمه اللّه حيث أخرج صوم الوصال والقمار عن محلّ النزاع « 1 » ، لقصور شمول إطلاقات الصوم والبيع لهما ، فالمقتضي للصحّة بالنسبة إلى أمثالهما غير موجود ، ولكن لا وجه لهذا الاختصاص ، حيث إنّ الكلام في اقتضاء النهي الفساد مطلقا ،
هامش
( 1 ) قوانين الأصول : 156 .