نسمعه ، لم يكن الكلام ظاهرا ولا نصّا في الإثبات ، وهذا يكشف عن عدم وضعه للإثبات ، وإلّا كان الوجه الأخذ بأصالة الحقيقة ودفع احتمال القرينة بأصالة عدمها ، فالهيئة تدلّ على مطلق الحكم والنسبة الّتي هي أعمّ من النفي والإثبات .
وممّا يوضح المقصود أحسن الإيضاح حروف النداء ، وهي موضوعة لأن ينادى بها لإعلام المخاطب وإشعاره ، لا لأن تستعمل في النداء ، فالنداء يحدث بالحرف لا أنّه معنى يحضره المتكلّم في ذهن السامع بالحرف ، فليس معنى :
أزيد أناديك مثلا بل الهمزة آلة تحدث النداء بالاسم الّذي بعده ، والتلفّظ طريق من طرق إعلام المخاطب ، فكما أنّه قد يعلمه المتكلّم بوضع يده على جبينه وتحرّكه حتّى يلتفت إليه ، فكذلك قد يعلمه بالتلفّظ بواحد من حروف النداء .
فإن أمكنك أن تقول : إنّ وضع اليد مستعمل في انبّهك فكذلك في هذه الحروف أيضا أنّها مستعمل في هذا المعنى ، فكما أنّ القرب ليس معنى لها بل مورد لها ، لا يمكن التعدّي عنه بمقتضى الوضع أو الطبع فكذلك النداء ، فاستوضح ذلك بالقياس إلى الفارسي فيقال في القرب : هاي زيد ، ويمتدّ ذلك إذا كان متوسّطا أو تزاد الهمزة وتؤخّر عن الاسم مع كثرة الامتداد ، فيقال : زيد هاي فالمتأمّل يرى أنّ هذه لا معنى لها ، وليست هذه بمعنى : « فرياد مىكنم تو را » ، بل هي نفس « فرياد » تحدث بها للاسم الّذي بعدها ، فكذلك أيضا حال هذه الحروف في العربي ، وكذلك يعيّن حال المندوب ، فإنّ النداء أمر يحدث بلفظ « وا » مثلا إلّا أنّه استعمل في معنى أناديك .
وتنظر بعين البصيرة إلى الحروف العاطفة تجد أنّها وضعت لأحكام لفظيّة وأحداثها ، وهي ارتباط شيء بشيء آخر بعد ارتباطه بشيء أوّلا ، وبيان أنّ
الأصول — صفحة 116
مساهمون: الميرزا أبو الفضل النجم آبادي
ص١١٦