وعلى ما زعموه يصير المعنى هكذا : أنّهم جاءوا في الزمان الماضي حال كونهم يبكون في الزمان المستقبل ، وهو كما ترى ، وأمّا على ما قلنا من عدم دلالة المضارع أيضا على الزمان ، فلا غبار عليهما ؛ لأنّه يكون المعنى : أنّه تحقّق منهم المجيء حال كونهم متّصفين بالبكاء ، فلا فرق عندنا بين « باكين » و « يبكون » من هذه الجهة ، وهي دلالتهما على الاتّصاف وإن كان بينهما فرق من جهات أخرى ، كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى .
الدليل الرابع : أنّه اتّفق العقلاء والتزم أهل العرف جميعا من قبل زمن الشارع ومن بعده على تأدية العقود والإيقاعات بالأفعال الماضويّة ، وعلّل الفقهاء ، ذلك بأنّ الماضي أصرح من غيره وهو المضارع ، وهذا لا يكاد ينطبق إلّا على ما ذكرنا ؛ لأنّه لو كان الماضي في هذه الموارد مستعملا بمعنى المضارع مجازا لزم أن يكون استعمال المضارع فيها أولى لو لم يكن متعيّنا ؛ لكونه حقيقة في معناه ، فيكون أصرح ، وهو خلاف ما اتّفقوا عليه ، فلو كان الزمان مأخوذا في الماضي لكان هذا الاستعمال مجازا .
وحينئذ لا يكون وجه لأصرحيّته وترجيحه على غيره ، مع أنّه لا يصحّح لمثل هذا المجاز ، فإنّ غاية ما يتوهّم كونه علاقة هي علاقة عموم المجاز ، وقد عرفت حاله ، مع أنّه ليس من هذا القبيل ، بل من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للمقيّد بأن يكون القيد قيدا لمحلّ استعماله ومكان إتيانه بدون القيد ، وهو غير جائز إجماعا ، مثل استعمال لفظ « ذا » الّذي وضع لأن يستعمل في محلّ الإشارة في غير المشار إليه ولو تنزيلا .
وأمّا على ما ذكرنا فوجهه ظاهر ؛ لأنّ الماضي يدلّ على التحقّق ، فإذا وقع
الأصول — صفحة 100
مساهمون: الميرزا أبو الفضل النجم آبادي
ص١٠٠