الندبية فيما لا ينفك عنه المنع من الترك أعجب مع ما مر منه وأعجب منه ما ادعى بعد ذكر أصناف من الطلب من الملازمة في ان كون الصيغة للطلب لو كان يوجب مجازيتها فيها لكان يوجب على تقدير الايجاب مجازيتها في أغلب مواضع الايجاب وأعجب منه ما فرع عليه بقوله فالحق فتلطف هذا ولو سلمنا الجميع لقلنا غاية ما في الاخبار احتمال تأخير البيان عن وقت الخطاب وهو جائز عند المحققين من الفرق ويحتمله أكثر العمومات والاطلاقات والأوامر والنواهي واما عن رابعها فبان الأصل يخالف بالدليل وقد عرفته مع أن ندرة استعمال الامر في القدر المشترك يمنع عن جعله حقيقة فيه واما عن الثاني فبان ترك الطاعة ليس عصيانا مط بل فيما كان المطلوب من الامر الايجاب وهو ظاهر وان كان الطاعة يعم القسمين وكيف كان ما ذكره لا يختص بالشرع ولو تم تم مط وإلّا فلا وجه لتخصيصه بالشرع نعم ثبت التعذيب على العصيان بالشرع بدليل منفصل ولا مدخلية له في وجوب الامتثال بمطلق الأوامر ولو استعملت في مطلق الطلب وهو ظاهر بل غاية ما افاده ترتب العقاب على مخالفة الواجب وانى هذا من المدعى واما اجماع السيد فلا ربط له بما ذكره بل هو دليل على المختار كما نبهتك عليه وللقول بكونها حقيقة في الندب النبوي إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم فان الرد إلى مشيتنا في بعض المأمور به يفيده في الكل فيفيد الندب وان أهل اللغة قالوا لا فارق بين السؤال والامر الا الرتبة فان رتبة الامر أعلى من رتبة السائل والسؤال انما يدل على الندب فكك الامر إذ لو دل الامر على الايجاب لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقلوه وانه لنطلب الفعل فلا بد لرجحان جانبه على جانب الترك وأدناه الندب لاستواء الطرفين في الإباحة وكون المنع من الترك امرا زائدا على الرجحان وفي الكل نظرا ما في الأول ففي دلالته فان الاستطاعة غير المشية مع أنه لو سلم نفى وجوب التكرار لا وجوب أصل الفعل على أنه لو تم لا ينافي الإباحة وفي الأخيرين نظر نعم يمكن ان يقال لو تم يعم الندب والطلب المطلق واما في الثاني فلعدم ثبوت النقل أولا وعدم الملازمة ثانيا ومنع التسوية بينهما في غير الرتبة ثالثا واما في الثالث فلكونه اثبات اللغة بالترجيح والعقل فان الزيادة لا يدفع الا بالأصل ولا يمكن دفعها به لمعارضة بمثله وهو اصالة عدم وضع اللفظ للناقص وعدم افادته الظن أيضا لعدم ارتباطه بالوضع وعدم قابليته لكشفه على أنه ليس المنع من الترك امرا زائدا بل بدل لجواز الترك وبالجملة ليس الامر مرددا بين الزائد والناقص بل مردد بين النوعين المتباينين ولا مرجح يؤبه به حتى يثبت وللقول بكونها مشتركة بين الوجوب والندب وكونها حقيقة في الأول شرعا الاستعمال فيهما والأصل فيه الحقيقة في الأول وحمل الصحابة والتابعين وتابعي تابعيهم كل امر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب في الثاني وفي الأول منع دلالة الاستعمال ولا سيما مع معارضة للمجاز وقد تقدم مفصلا في محله وفي الثاني عدم المنافاة لكونها موضوعة لغة لذلك وللقول بالوجوب دون الايجاب لم نقف على شيء ولم يذكر قائله الا ما استند غيره من استحقاق المذمة بالمخالفة وهو لا يقتضى الافتراق ولو كان مبنيا على خلاف الأشاعرة والمعتزلة لا يناسب الاختلاف اللغوي
إشارات الأصول — صفحة 87
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٨٧