تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
تبارك وتعالى ، وأنّ كلّ تشريع لم يكن بإذنه فهو افتراء على اللّه وبدعة ، وليس على الناس إلّا الحكم بما أنزل اللّه ، ومن حكم بغيره فهو كافر وظالم وفاسق . « 1 » قال سبحانه : (
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ
) . « 2 » ومع هذا التصريح فكيف يكون للبشر الخاطئ غير الواقف على المصالح والمفاسد حقّ التشريع على الإنسان على وجه يكون نافذاً ، إلى يوم البعث ؟ ! نفترض أنّ لفيفاً من الصحابة بذلوا جهوداً فوصلوا إلى أنّ المصلحة تكمن في أن يكون حكم الواقعة هو هذا ، أفهل يكون إجماعهم على ذلك الحكم دون أن يكون مستمداً من كتاب أو سنّة حجّة على البشر إلى يوم القيامة ، لو لم نقل انّ اتّفاقهم على الحكم عندئذ بدعة وافتراء على اللّه ؟ ! وثانياً : أنّ عطف الإجماع على المشورة من الغرائب ، فإنّ النبي كان يستشير أصحابه في الموضوعات العرفيّة التي ليس للشارع فيها حكم شرعي ، وإنّما ترك حكمها إلى الظروف والملابسات وإلى الناس أنفسهم ، حتى نجد انّ أكثر مشاورات النبي ) صلى الله عليه وآله وسلم ( كانت تتم في كيفية القتال والذبّ عن حياض الإسلام . فهذا هو رسول اللّه يشاور المسلمين في غزوة بدر قبل اصطدامهم بالمشركين ، وقال : أشيروا عليّ أيّها الناس ، وكأنّه ) صلى الله عليه وآله وسلم ( يريد أن يقف على رأي أصحابه في السير إلى الأمام وقتال المشركين ، أو الرجوع إلى الوراء ، ولم يكن في المقام أيّ حكم مجهول حاول النبي ) صلى الله عليه وآله وسلم ( أن يستكشفه عن طريق المشاورة ، وكم فرق بين المشاورة في الموضوعات العرفية والمشاورة لكشف حكم شرعي منوط بالوحي ؟
هامش
( 1 ) . راجع سورة المائدة : الآيات : 44 و 45 و 47 . ( 2 ) . الأنعام : 57 .
إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 164 | الشيخ جعفر السبحاني