كقولك : " أنت الذي من شأنه كيت وكيت " ، كقوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
[ البقرة : 17 ] .
والثاني : أن يكون المشبّه به نكرة تقع الجملة صفة له ، كقولنا : " أنت كرجل من أمره كذا وكذا " ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " النّاس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " ، وأشباه ذلك .
والثالث : أن تجيء مبتدأة ، وذلك إذا كان المشبّه به معرفة ، ولم يكن هناك " الذي " ، كقوله تعالى :
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
[ العنكبوت : 41 ] .
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
واعلم أنّ مما اتفق العقلاء عليه ، أن " التمثيل " إذا جاء في أعقاب المعاني ، أو برزت هي باختصار في معرضه " 1 " ، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته ، كساها أبّهة ، وكسبها منقبة ، ورفع من أقدارها ، وشبّ من نارها ، وضاعف قواها في تحريك النّفوس لها ، ودعا القلوب إليها ، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا ، وقسر الطّباع على أن تعطيها محبّة وشغفا .
فإن كان مدحا ، كان أبهى وأفخم ، وأنبل في النفوس وأعظم ، وأهزّ للعطف ،
هامش
( 1 ) يقول إن للتمثيل مظهرين ، ويتجلى للأنظار في ثوبين ( أحدهما ) أن يجيء المعنى ابتداء في صورة التمثيل ، وهو النادر القليل . ولكنه على قلته في كلام البلغاء كثير في القرآن العزيز ، فمنه قوله تعالى :مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراًالآية ، وقوله بعدها :أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِالآية . وقوله عز وجل :وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً، وقوله تبارك وتعالى :مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاًالآية ، وقوله : تبارك اسمهأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُالآية . وغير ذلك . ( وثانيهما ) ما يتأثر المعاني ويجيء في أعقابها لإيضاحها وتقريرها في النفوس وإيداعها التأثير المخصوص ، وهو الذي جعله المصنف أولا ، مثاله من القرآن قوله تعالى :ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَفقد أورده بعد ما قرر أمر التوحيد من أول السورة وشنع على الذين اتخذوا من دونه أولياء يقربونهم إليه زلفى ، ونصب الدلائل على نفي هذا الشرك وذكر الجزاء . ومثله من الشعر ما يجيء في ضروب الكلام الآتية .
( رشيد ) .