تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
بدأت بالبدر وتشبيهه به في الحسن ، وأخّرت تشبيهه بالأسد في الشجاعة ، كان المعنى بحاله ، وقوله : [ من السريع ]
النّشر مسك والوجوه دنا * نير وأطراف الأكفّ عنم " 1 "
إنما يجب حفظ هذا الترتيب فيها لأجل الشّعر ، فأمّا أن تكون هذه الجمل متداخلة كتداخل الجمل في الآية ، وواجبا فيها أن يكون لها نسق مخصوص كالنسق في الأشياء إذا رتّبت ترتيبا مخصوصا كان لمجموعها صورة خاصّة فلا " 2 " . وقد يجيء الشيء من هذا القبيل يتوهّم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد وتستعمل بنفسها تشبيها وتمثيلا ، ثم لا يكون كذلك عند حسن التأمل ، مثال ذلك قوله : [ من الطويل ]
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة * فلما رجوها أقشعت وتجلّت " 3 "
هذا مثل في أن يظهر للمضطرّ إلى الشيء ، الشديد الحاجة إليه ، أمارة وجوده ، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة ترح . وقد يمكن أن يقال : " إن قولك : " أبرقت قوما عطاشا غمامة " ، تشبيه مستقلّ بنفسه ، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود الذي هو ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة ، إلّا أنه وإن كان كذلك ، فإن حقّنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه . ونحن نعلم أن المغزى أن يصل ابتداء مطمعا بانتهاء مؤيس ، وذلك يقتضي وقوف الجملة الأوّلة على ما بعدها من تمام البيت . ووزان هذا أن الشرط والجزاء جملتان ، ولكنا نقول : إنّ حكمهما حكم جملة
هامش
( 1 ) البيت للمرقش الأكبر في المفضليات ، وفي لسان العرب ( مادة : نشر ) . النّشر : الريح الطيبة ، العنم : شجر لين الأغصان لطيفها يشبه به البنان كأنه بنان العذارى ، واحدتها عنمة ، وهو مما يستاك به ، وقيل : العنم أغصان تنبت في سوق العضاه رطبة لا تشبه سائر أغصانها ، حمر اللون ، وقيل : هو ضرب من الشجر له نور أحمر تشبّه به الأصابع المخضوبة . [ لسان العرب : عنم ] . وأراد النشر مثل ريح المسك ، لا يكون إلا على ذلك ، لأن النشر عرض ، والمسك جوهر ، وقوله : والوجوه دنانير ، الوجه أيضا لا يكون دينارا ، إنما أراد مثل الدنانير ، وكذلك قال : وأطراف الأكف عنم إنما أراد مثل العنم لأن الجوهر لا يتحول إلى جوهر آخر . [ لسان العرب : نشر ] . ( 2 ) وفي نسخة زيادة لفظ ( مقررة ) بعد خاصة . ( 3 ) البيت لكثير عزة في ديوانه ص 107 ، وفي التبيان في المعاني والبيان ص 268 . أبرقت : جاءت ببرق ، أقشعت : انقشع عنه الشيء وتقشّع غشيه ثم انجلى عنه ، كالظلام عن الصبح ، والهم عن القلب ، والسحاب عن الجو .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 82 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني