تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وذكر أبو أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمّى : " المماثلة " ، وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد " بالمثل " و " التمثيل " وليس الأمر كذلك ، كيف وأنت تقول : " مثلك مثل من يقدم رجلا ويؤخّر أخرى " ؟ ووزان هذا أنك تقول : " زيد الأسد " ، فيكون تشبيها على الحقيقة وإن كنت لم تصرّح بحرف التشبيه ومثله أنك تقول : " أنت ترقم في الماء " ، و " تضرب في حديد بارد " ، و " تنفخ في غير فحم " ، فلا تذكر ما يدلّ صريحا على أنك تشبّه ، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك : " أنت كمن يرقم في الماء ، وكمن يضرب في حديد بارد ، وكمن ينفخ في غير فحم " ، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشّبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صلة اسمه أو صفته . واعلم أن " المثل " قد يضرب بجمل لا بدّ فيها من أن يتقدّمها مذكور يكون مشبّها به ، ولا يمكن حذف المشبّه به والاقتصار على ذكر المشبّه ، ونقل الكلام إليه حتى كأنه صاحب الجملة ، إلا أنه مشبّه بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة . بيان هذا ، أن قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " النّاس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " " 1 " ، لا بدّ فيه من المحافظة على ذكر المشبّه به الذي هو " الإبل " ، فلو قلت : " الناس لا تجد فيهم راحلة أو " لا تجد في الناس راحلة " ، كان ظاهر التعسّف . وهاهنا ما هو أشدّ اقتضاء للمحافظة على ذكر ما تعلّق الجملة به وتسند إليه ، وذلك مثل قوله عزّ وجلّ :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
[ يونس : 24 ] ، لو أردت أن تحذف " الماء " الذي هو المشبّه به ، وتنقل الكلام إلى المشبّه الذي هو " الحياة " ، أردت ما لا تحصل منه على كلام يعقل ، لأن الأفعال المذكورة المحدّث بها عن الماء ، لا يصحّ إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه ، وخصوصا في الاستعارة ، على ما يجيء القول فيه إن شاء اللّه تعالى . والجملة إذا جاءت بعد المشبّه به ، لم تخل من ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون المشبّه به معبّرا عنه بلفظ موصول ، وتكون الجملة صلة ،
هامش
( 1 ) رواه مسلم عن ابن عمر بلفظ : " تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة " واختلفوا فيه على أقوال : قال النووي : أجودها أن معناه : المرضى الأحوال من الناس الكامل الأوصاف الحسن المنظر القوي على الأحمال والأسفار ، وسميت راحلة لأنها ترحل أي : يجعل عليها الرحل ، فهي فاعله : بمعنى مفعولة كعيشة راضية بمعنى مرضية ونظائره اه . ( رشيد ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 84 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني