تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
واحدة ، من حيث دخل في الكلام معنى يربط إحداهما بالأخرى ، حتى صارت الجملة لذلك بمنزلة الاسم المفرد في امتناع أن تحصل به الفائدة . فلو قلت : " إن تأتني " وسكتّ ، لم تفد كما لا تفيد إذا قلت : " زيد " وسكتّ ، فلم تذكر اسما آخر ولا فعلا ، ولا كان منويّا في النفس معلوما من دليل الحال . ثم إن الأمر ، وإن كان كذلك ، فقد يجوز أن تخرج الكلام عن الجزاء فتقول : " تأتيني " ، فتعود الجملة على الإفادة ، لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى ، وإزالتك المعنى الذي أوجب فقرها إلى صاحبة لها ، إلا أن الغرض الأوّل يبطل والمعنى يتبدّل ، فكذلك الاقتصار على الجملة التي هي : " أبرقت قوما عطاشا غمامة " ، يخرج عن غرض الشاعر . فإن قلت : فهذا يلزمك في قولك : " هو يصفو ويكدر " . وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يبطل غرض القائل ، وقصده أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين ، وأن الصفاء لا يدوم . فالجواب : أن بين الموضعين فرقا ، وإن كان يغمض قليلا ، وهو أن الغرض في البيت أن يثبت ابتداء مطمعا مؤنسا أدّى إلى انتهاء مؤيس موحش ، وكون الشيء ابتداء لآخر هو له انتهاء ، معنى زائد على الجمع بين الأمرين ، والوصف بأن كلّ واحد منها يوجد في المقصود . وليس لك في قولك : " يصفو ويكدر " ، أكثر من الجمع بين الوصفين . ونظير هذا أن تقول : " هو كالصّفو بعد الكدر " ، في حصول معنى يجب " 1 " معه ربط أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعيّن به الغرض ، حتى لو قلت : " يكدر ثم يصفو " ، فجئت بثمّ التي توجب الثاني مرتّبا على الأوّل ، وأنّ أحدهما مبتدأ والآخر بعده ، صرت بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط ، ووجوب أن يتعلّق الحكم بمجموعهما ، ويوجد الشبه إن شبّهت ما بينهما ، على التشابك والتداخل ، دون التباين والتزايل . ومن الواضح في كون الشّبه معلّقا بمجموع الجملتين ، حتى لا يقع في الوهم تميّز إحداهما على الأخرى قوله : " بلغني أنك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيّهما شئت والسّلام " 2 ، وذلك أن المقصود من هذا الكلام : التردّد بين الأمرين ، وترجيح الرأي فيهما ، ولا يتصوّر التردّد والترجيح في الشيء الواحد ، فلو جهدت وهمك أن تتصوّر لقولك : " تقدّم رجلا " معنى وفائدة ما لم تقل : " وتؤخّر أخرى " ، أو تنوه في قلبك ، كلّفت نفسك شططا .
هامش
( 1 ) وفي نسخة : يوجب بدل يجب .