تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
قضايا العقول ، وصحّحتها الخبرة والعبرة ، ولكن ربّ قضية من العقل نافذة قد صارت كأنها من الأمور المتجوّز فيها ، أو دون ذلك في الصحة ، لغلبة الجهل والسفه على الطباع ، وذهاب من يعمل بالعقل ويذعن له ، ويطرح الهوى ، ويصبو إلى الجميل ، ويأنف من القبيح ، ولذهاب الحياء وبطلانه ، وخروج الناس من سلطانه ، ويأس العاقل من أن يصادف عندهم ، إن نبّه أو ذكّر ، سمعا يعي ، وعقلا يراعي ، فجري " الغنى " على كثرة المال ، و " الفقر " على قلّته ، مما يزيله العرف عن حقيقته في اللغة . ولما كان الظاهر من حال الكثير المال أنه لا يعجز عن شيء يريده من لذّاته وسائر مطالبه ، سمّي المال الكثير " غنى " ، وكذلك لمّا من كان قلّ ماله ، عجز عن إرادته ، سمّي قلّة المال " فقرا " ، فهو من جنس تسمية السبب باسم المسبّب ، وإلا فحقيقة " الغنى " انتفاء الاحتياج ، وحقيقة " الفقر " الاحتياج ، واللّه تعالى الغنيّ على الحقيقة ، لاستحالة الاحتياج عليه جلّ وتعالى عن صفات المخلوقين . وعلى ذاك ما جاء في الخبر من أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا يا رسول اللّه من لا درهم له ولا متاع . قال : المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وزكاته وصيامه ، فيأتي وقد شتم هذا ، وأكل مال هذا ، وقذف هذا ، وضرب هذا ، وسفك دم هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يفنى ما عليه من الخطايا ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح في النار " . ذاك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بيّن الحكم في الآخرة . فلما كان الإنسان إنما يعدّ غنيّا في الدنيا بماله ، لأنه يجتلب به المسرّة ويدفع المضرّة ، وكان هذا الحكم في الآخرة ، للعمل الصالح ، ثبت لا محالة أن يكون الخالي ، نعوذ باللّه ، من ذلك ، هو " المفلس " ، إذ قد عري مما لأجله يسمّى الخالي من المال في الدنيا " مفلسا " ، وهو عدم ما يوصله إلى الخير والنعيم ، ويقيه الشرّ والعذاب ، نسأل اللّه التوفيق لما يؤمن من عقابه . وإذا كان البحث والنظر يقتضي أن " الغنى " و " الفقر " في هذا الوجه دالّان على حقيقة هذا التركيب في اللغة " 1 " ، كقولك : " غنيت عن الشيء " و " استغنيت عنه ، إذا لم تحتج إليه و " افتقرت إلى كذا " ، إذا احتجت إليه وجب أن لا يعدواها هاهنا في المستعار والمنقول عن أصله .
هامش
( 1 ) قوله : " حقيقة هذا التركيب " أي : الحاجة إلى الشيء أو عدم الحاجة إليه قال شيخنا : والمراد من هذا التركيب ما ذكره بقوله : غنيت عن الشيء واستغنيت عنه . ( رشيد ) .