تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
الذكر والذكر ، لأنه ليس إذا وجد الذكر فقد وجدت الحياة ، لأنك تحدّث عن الميت بأفعاله التي كانت منه في حال الحياة ، فيتصوّر الذكر ولا حياة على الحقيقة ، ولا يتصوّر العلم ولا حياة على الحقيقة . وهكذا القول في الطرف الآخر ، وهو تسمية من لا يعلم ميّتا . وذلك أن الموت هاهنا عبارة عن عدم العلم وانتفائه ، وعدم العلم على الإطلاق ، حتى لا يوجد منه شيء أصلا ، وحتى لا يصحّ وجوده ، يقتضي وجود الموت على الحقيقة ولا يمكن أن يقال إنّ خمول الذكر يوجب الموت على الحقيقة . فأنت إذن في هذا تنزّل الوجود منزلة العدم على وجه لا ينصرف إلى الحقيقة ولا يصير إليها ، . وإنما يمثّل ويخيّل . وأما في الضرب الأول وهو جعل من لا يعلم ميّتا ومن يعلم هو الحيّ فإنك تلاحظ الحقيقة وتشير إليها وتحطب في حبلها " 1 " ، فاعرفه . وأمّا قولهم في الغنيّ إذا كان بخيلا لا ينتفع بماله : " إنّ غناه فقر " ، فهو في الضرب الأول أعني تنزيل الوجود منزلة العدم لتعرّى الوجود مما هو المقصود منه . وذلك أن المال لا يراد لذاته ، وإنما يراد للانتفاع به في الوجوه التي تعدّها العقلاء انتفاعا ، فإذا حرم مالكه هذه الجدوى وهذه الفائدة ، فملكه له وعدم الملك سواء ، والغنى إذا صرف إلى المال ، فلا معنى له سوى ملك الإنسان الشيء الكثير منه ، ألا تراه يذكر مع الثروة فيقال : " غنيّ مثر مكثر " ؟ فإذا تبين بالعلة التي مضت أنه لا يستفيد بملكه هذا المال معنى ، وأن لا طائل له فيه ، فقد ثبت أن غناه والفقر سواء ، لأن الفقر أن لا يملك المال الكثير . وأمّا قول اللؤماء : إن انتفاعه في اعتقاده أنّه متى شاء انتفع به ، وما يجد في نفسه من عزّة الاستظهار ، وأنه يهاب ويكرم من أجله ، فمن أضاليل المنى ، وقد يهان ويذلّ ويعذّب بسببه حتى تنزع الروح دونه . ثم إن هذا كلام وضعه العقلاء الذين عرفوا ما الانتفاع ، وهذا المخالف لا ينكر أن الانتفاع لو عدم كان ملكه الآن لمال وعدم ملكه سواء ، وإنما جاء يتطلّب عذرا ، ويرخي دون لؤمه سترا . ونظير هذا أنك ترى الظالم المجترئ على الأفعال القبيحة ، يدّعي لنفسه الفضيلة بأنه مديد الباع طويل اليد ، وأنه قادر على أن يلجئ غيره إلى التّطامن له ، ثم لا يزيده احتجاجه إلا خزيا وذلا عند اللّه وعند الناس ، وترى المصدّق له في دعواه
هامش
( 1 ) أي : تنصرها وتميل إليها . وحطب من باب ضرب . ( رشيد ) .