تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
لا يفيد أنّ للسّؤال ضدّا ينافي الموت أو يضادّه على الحقيقة ، وأن هذا القائل قصد بجعل السؤال موتا نفى ذلك الضدّ ، وأن يؤيس من وجوده وحصوله ، بل أراد أن في السؤال كراهة ومرارة مثل ما في الموت ، وأن نفس الحرّ تنفر عنه كما تنفر نفوس الحيوان جملة من الموت ، وتطلب الحياة ما أمكن في الخلاص منه . فإن قلت : المعنى فيه أن السؤال يكسب الذلّ وينفي العزّ ، والذليل كالميت لفقد القدرة والتصرّف ، فصار كتسميتهم خمول الذكر موتا ، والذكر بعد الموت حياة ، كما قال أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه : " مات خزّان المال ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة " . قلت : إني آنس أنهم لم يقصدوا هذا المعنى في السؤال ، وإنما أرادوا الكراهة ، ولذلك قال بعد البيت الذي كتبته :
كلاهما موت ، ولكنّ ذا * أشدّ من ذاك لذلّ السّؤال " 1 "
هذا ، وليس كل ما يعبّر عنه بالموت لأنه يكره ويصعب ولا يستسلم له العاقل إلّا بعد أن تعوزه الحيل فإنه يحمل هذا المحمل ، وينقاد لهذا التأويل ، أترى المتنبي في قوله : [ من المتقارب ]
وقد متّ أمس بها موتة * ولا يشتهي الموت من ذاقه " 2 "
أراد شيئا غير أنه لقي شدّة . وأمّا العبارة عن خمول الذكر بالموت ، فإنه وإن كان يدخل في تنزيل الوجود منزلة العدم ، من حيث يقال : إن الخامل لمّا لم يذكر ولم يبن منه ما يتحدّث به ، صار كالميت الذي لا يكون منه قول ، بل ولا فعل يدلّ على وجوده فليس دخوله فيه ذلك الدخول . وذلك أن الجهل ينافي العلم ويضادّه كما لا يخفى ، والعلم إذا وجد فقد وجدت الحياة حتما واجبا ، وليس كذلك خمول
هامش
( 1 ) وفي نسخة . أشد من ذاك على كل حال . ( 2 ) الضمير راجع إلى الخمر فإن الكلام فيها ، والبيت في ديوانه ، وقال قبل هذا البيت :وجدت المدامة غلابة * تهيّج للقلب أشواقه تسيء من المرء تأديبه * ولكن تحسّن أخلاقه وأنفس ما للفتى لبّه * وذو اللب يكره إنفاقهقال شيخنا في قوله تسيء المرء تأديبه إلخ : أي تغلبه فتخرجه عن قيود الحشمة في اللفظ والحركات ، ولكنها تغلب منه الخوف والبخل فيشجع ويسخو هذا ما يريده تحسينها لأخلاقه . ( رشيد ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 64 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني