وإذا ثبت أنّ وصف الكلمة بالزيادة ، نقيض وصفها بالإفادة ، علمت أن الزيادة ، من حيث هي زيادة ، لا توجب الوصف بالمجاز .
فإن قلت : تكون سببا لنقل الكلمة عن معنى هو أصل فيها إلى معنى ليس بأصل كدت تقول قولا يجوز الإصغاء إليه ، وذلك ، إن صحّ ، نظير ما قدّمت من أن الحذف أو الزيادة قد تكون سببا لحدوث حكم في الكلمة تدخل من أجله في المجاز ، كنصب القرية في الآية وجرّ المثل في الأخرى ، فاعرفه .
واعلم أن من أصول هذا الباب : أن من حقّ المحذوف أن المزيد أن ينسب إلى جملة الكلام ، لا إلى الكلمة المجاورة له ، فأنت تقول إذا سئلت عن : " اسأل القرية " :
في الكلام حذف ، والأصل : " أهل القرية " ، ثم حذف " الأهل " ، تعني حذف من بين الكلام .
وكذلك تقول : " الكاف " زائدة في الكلام والأصل : " ليس مثله شيء " .
ولا تقول هي زائدة في " مثل " ، إذ لو جاز ذلك ، لجاز أن يقال إنّ " ما " في " فبما رحمة " ، مزيدة في الرحمة ، أو في " الباء " وأن " لا " مزيدة في " يعلم " ، وذلك بيّن الفساد ، لأن هذه العبارة إنما تصلح حيث يراد أن حرفا زيد في صيغة اسم أو فعل ، على أن لا يكون لذلك الحرف على الانفراد معنى ، ولا تعدّه وحده كلمة ، كقولك : " زيدت الياء للتصغير في رجيل ، والتاء للتأنيث في ضاربة " . ولو جاز غير ذلك ، لجاز أن يكون خبر المبتدأ إذ حذف في نحو : " زيد منطلق وعمرو " ، محذوفا من المبتدأ نفسه ، على حدّ حذف اللام من يد ودم ، وذلك ما لا يقوله عاقل .
فنحن إذا قلنا : إن " الكاف " مزيدة في " مثل " ، فإنما نعني أنها لمّا زيدت في الجملة وضعت في هذا الموضع منها . والأصحّ في العبارة أن يقال : " الكاف في " مثل " مزيدة " ، يعني الكاف الكائنة في " مثل " مزيدة ، كما تقول : " الكاف التي تراها في " مثل " مزيدة " وكذلك تقول : " حذف المضاف من الكلام " ، ولا تقول :
" حذف المضاف من المضاف إليه " . وهذا أوضح من أن يخفى ، ولكنّي استقصيته ، لأني رأيت في بعض العبارات المستعملة في المجاز والحقيقة ما يوهم ذلك ، فاعرفه .
ومما يجب ضبطه هنا أيضا : أن الكلام إذا امتنع حمله على ظاهره حتى يدعو إلى تقدير حذف ، أو إسقاط مذكور ، كان على وجهين :
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 294
مساهمون: عبد الحميد هنداوي
ص٢٩٤