تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
السهام ، وإذا تصافحوا بالسيوف قفز الحمام " ، و " التمثيل " كقوله : فإنك كاللّيل الّذي هو مدركي " 1 " ويؤتى بأمثلة إذا حقّق النّظر في الأشياء يجمعها الاسم الأعمّ ، وينفرد كل منها بخاصّة ، من لم يقف " 2 " عليها كان قصير الهمّة في طلب الحقائق ، ضعيف المنّة في البحث عن الدقائق ، قليل التّوق إلى معرفة اللطائف ، يرضى بالجمل والظواهر ، ويرى أن لا يطيل سفر الخاطر ، ولعمري إنّ ذلك أروح للنفس ، وأقلّ للشّغل ، إلا أنّ من طلب الراحة ما يعقب تعبا ، ومن اختيار ما تقلّ معه الكلفة ما يفضي إلى أشدّ الكلفة ، وذلك أن الأمور التي تلتقي عند الجملة وتتباين لدى التفصيل ، وتجتمع في جذم ثم يذهب بها التشعّب ويقسمها قبيلا بعد قبيل ، إذا لم تعرف حقيقة الحال في تلاقيها حيث التقت ، وافتراقها حيث افترقت ، كان قياس من يحكم فيها ، إذا توسّط الأمر قياس من أراد الحكم بين رجلين في شرفهما وكرم أصلهما وذهاب عرقهما في الفضل ، ليعلم أيّهما أقعد في السؤدد ، وأحقّ بالفخر ، وأرسخ في أرومة المجد ، وهو لا يعرف من نسبتهما أكثر من ولادة الأب الأعلى والجد الأكبر ، لجواز أنّ يكون واحد منهما قرشيا أو تميميا ، فيكون في العجز عن أن يبرم قضية في معناهما ، ويبيّن فضلا أو نقصا في منتماهما في حكم من لا يعلم أكثر من أن كل واحد منهما آدميّ ، ذكر ، أو خلق مصوّر . واعلم أن الذي يوجبه ظاهر الأمر ، وما يسبق إلى الفكر ، أن يبدأ بجملة من القول في " الحقيقة " و " المجاز " ويتبع ذلك القول في " التشبيه " و " التمثيل " ، ثم ينسّق ذكر " الاستعارة " عليهما ، ويؤتى بها في أثرهما . وذلك أن " المجاز " أعمّ من " الاستعارة " ، والواجب في قضايا المراتب أن يبدأ بالعامّ قبل الخاصّ ، و " التشبيه " كالأصل في " الاستعارة " ، وهي شبيه بالفرع له ، أو صورة مقتضبة من صوره إلّا أنّ
هامش
( 1 ) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه وتمامه : " وإن خلت أن المنتأى عنك واسع " والبيت أورده القزويني في الإيضاح : 177 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي ، وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات : 166 . وفي الكلام إشارة إلى تشبيه النعمان بالسيل في اندفاعه وقوته بعد تشبيهه بالليل تشبيها يلاحظ من وجهه الرهبة والخوف مع ضرورة اللحاق والإدراك ، والبيت من إحدى الاعتذاريات التي نبغ فيها النابغة . ( 2 ) جملة " من لم يقف عليها " في محل خفض صفة " خاصة " . ( رشيد ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 30 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني